الملاحن
على مائدة العلم والأدب
الملاحن
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
اللغة أداة التفاهم والتخاطب، وهي تكون مفهومة بين أهلها الناطقين بها، ولا توجد فيها سرية أو غموض أو التباس بين المتكلمين بها، فإذا تكلم أحد بكلمة منها عرف معناها المخاطبُ و كل من سمعها ..
فالأصل في اللغة الوضوح والفصاحة والبيان .. وهذا هو المفهوم الشائع للغة ..
ولكن هناك لغة تسمى : لغة سرية، وهي التي سماها العرب : " الملاحن "، جمع ملحنة، وهي التعريض والإيماء، والمقصود بها الألفاظ التي تحمل معنيين، وتستخدم للتعمية .
فالملاحن هي مسائل لغوية، تشبه الألغاز، تقوم على : " لحن القول" ، وتتطلب فطنة لحلها، حيث يضمر المتكلم خلاف ما يظهر، اشتهرت كفن عربي قديم للتورية والتعمية، و ألف فيها ابن دريد كتابًا سماه : ( الملاحن ) لتخليص المكرَهين من الأيمان، وتعني أيضًا ملاحنة الرجلين : مفاطنة أحدهما للآخر باستخراج فحوى كلامه .
فإذا قالوا : فلان يلحن لفلان، فإنما يعنون بذلك أنه يخاطبه بلغة لا يعرفها سواه من السامعين ..
وهذا النوع من اللغة يتم تداوله بين جميع الطبقات والفئات من المجتمع، بين الخاصة والعامة .
ومما ورد عن العرب من لحن القول ما رواه القالي في أماليه عن ابن الأعرابي، قال أسرت طيء رجلًا شابًّا من العرب، فقدم أبوه وعمه ليفدياه، فاشتطوا عليهما في الفداء، فأعطياه به عطية لم يرضوه، فقال أبوه : لا . . و الذي جعل الفرقدين يمسيان ويصبحان على جبل طيء لا أزيدكم على ما أعطيتكم، فقال أبوه للعم : لقد ألقيت إلى ابني كليمة، لئن كان فيه خير لينجون، فما لبث أن نجا، فكأن أباه قال له : الزم الفرقدين على جبل طيء، فإنهما طالعان عليهما، وهما لا يغيبان عنه .
ويتم - كذلك - بين أهل الحرف والمهن والصناعات تداول اللغة السرية، فلكل طائفة من التجار والصناع قاموس من الملاحن، وكذلك المجرمون لهم ألفاظ للدلالة على أنواع السرقة والمسروقات وعلى رجال الشرطة، وهكذا دواليك . .
ولنضرب المثال .. فبالمثال يتضح المقال ..
تذهب - مثلًا - إلى ( الصاغة ) لتشتري قرطًا أو لتصوغ خاتمًا، فيجلس إليك الصائغ، وله حذق في صناعته، فتحادثه وتسأله، ويدنو منك شريكه أو سمساره، وبعد قليل يقول له ( أشقور ) فيتحول عنك الصائغ ويتخذ من محادثتك لهجة أخرى، والحقيقة أنه قد أصدر عليك حكمه عليك بأنك زبون ردىء، فكلمة ( أشقور) معناها زبون ردىء ، و ( يافت) معناها زبون جيد، وهذه هي اللغة السرية للصاغة .
وللفقهاء كلف بهذه الألفاظ، إذ تفتح لهم أبوابًا كثيرة مما يعرفونه بالألفاظ الشرعية، فيها ألغاز ومطارحات، يطول الكلام بذكرها، وأهل اللغة يسمونها : فتيا فتية العرب، أو طيب العرب، أو مساجع العرب، وعليها بنى الحريري المقامة الثانية والثلاثين.
والحقيقة أن هذه اللغة السرية ليست بخاصة باللغة العربية، بل تكاد توجد في كل لغة . .
( الثلاثاء : ١٨ من شوال ١٤٤٧ھ = ٧ من أبريل - نيسان - ٢٠٢٦م )
تعليقات
إرسال تعليق