محمد الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء
على مائدة العلم والأدب : (١٦)
محمد الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم
المثل الأعلى للأدباء
*نماذج من مناهج التعبير النبوي الشريف*
*( النموذج التاسع )*
*اختبار مدى فهم المخاطبين*
عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم : « إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنما هي مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله فوقع في قلبي : إنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا حدثنا يا رسول الله ما هي قال : هي النخلة » رواه البخاري .
*موقف رسول الله ﷺ من الألغاز*
إن هذا الحديث الشريف يعطينا صورة واضحة لموقف رسول الله ﷺ من الألغاز والأحاجي، وهو أن لا يقصد السائل تعنيت المسؤول وإزعاجه بإلقاء صعاب المسائل أو تعجيزه (١) ، وإنما يريد بذلك اختبار الأفهام وتصوير المعاني وتثبيتها في الذهن وتحديد الفكر والنظر في حكم الحادثة . . . كما نرى ذلك في الحديث الشريف .
فقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين خير المؤمن وثباته بـ « المثال » الذي يلعب دورًا هامًّا في إبراز خبيئات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، ( وكما يقال : بالمثال يتضح المقال) ، فإن الأمثال تُري المخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه شاهد . . !
*وجه الشبه بين المسلم والنخلة*
هو كثرة خيرها، ودوام ظلها وطيب عمرها، ووجودها على الدوام، فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منها حتى تيبس، وبعد أن تيبس يُتخذ منهامنافع كثيرة من خشبها وورقها وأغصانها، فيستعمل جذوعًا وحطبًا وعصيـــًّا وحصرًا وحبالًا وأواني وغير ذلك مما ينتفع به من أجزائها، ثم آخرهــــا نواها ينتفع به علفًا للإبل وغيرها، ثم حال نباتها وحسن ثمرتها وهي كلها منافع وخير، وكذلك المؤمن خير كله من كثرة طاعاته ومكارم أخلاقه ومواظبتــــــه على صلاته وصيامه وذكره والصدقة وسائر الطاعات .
وقال المفسرون: ضرب الله مثلاً كلمة طيبة (لا إله إلا الله) كشجرة طيبة أصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء، تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها، وقد شبه الله الإيمان بالنخل لثبات الإيمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في منبتها، وشبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة، وما يكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان بما ينال من ثمر النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر .
هذا هو المنهج النبوي السليم في طرح اللغز أمام الحاضرين، فلا هـــــو موضوع أو مختلق، ولا هو فاحش أو خارج عن حدود الحشمة والوقار، ولا هو تعنيت أو تخجيل السائل، إنما هو سهل الفهم حتى يفهمه أحدثهم سنا (٢) ولا يخلو من الفائدة، فقد اتضح بهذا المثال مكان المؤمن وخيره وبركته وفضله على سائر البشر من غير المؤمنين، فلا عجب . . فإنه أسلم وجهه لله رب العالمين، واستبرأ من كل حول وطول سوى حول الله !
فليتخذ الأدباء والكتاب والشعراء هذا المنهج النبوي الكريم شعارهم، وليتبعوه في كتاباتهم، ويعتصموا به في كل زمان ومكان، يكن لها من الجمال والروعة و التأثير ما لا يوصف . (٣)
*الهوامش* :
( ١ ) فقد ورد النهي عن ذلك صراحة، فقد روي عن معاوية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأغلوطات، وهي شداد المسائل وصعابها.
(٢) لا يلزم من ذلك أن ابن عمر رضي الله عنه فضل كبار الصحابة، فقد يخفى على العالم الكبير بعض ما يدركه من هو دونه، لأن العلم منح إلهية ومواهب رحمانية، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء .
(٣) استفدنا في شرح الحديث من عمدة القارىء .
( الجمعة : ١٠ من شعبان ١٤٤٧ھ = ٣٠ من يناير - كانون الثاني - ٢٠٢٦م ) .
تعليقات
إرسال تعليق