العلاقة بين السكون ونتاج الفكر . . !

 على مائدة العلم والأدب

العلاقة بين السكون ونتاج  الفكر . . !


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


السكون .. والهدوء  .. والاطمئنان .. والخلوة .. كلمات جميلات متقاربات معنى أو مآلًا .. متداخلة بعضها في بعض محتوى ومدلولًا  .. 

فالخلوة - مثلًا - تؤدي إلى السكون .. كما أن الحصول على السكون  يحتاج إلى الخلوة .. فالصلة بينهما صلة تلازُم وترابُط، وتفاعُل وتجاذُب .. و كأنهما توءمان لا ينفك بعضهما عن بعض ..  أو رضيعا ثدي وضجيعا مهد ..

وكل كلمة - من الكلمات المذكورة - خفيفة على اللسان .. حلوة أليفة مألوفة عند كل إنسان .. سهلة في النطق والبيان .. حبيبة إلى الناس عامة .. وإلى المشغوفين بالقراءة خاصة .. و إلى رجال الفكر والنظر، وأهل العلم والقلم بصفة أخص .. 


فاسألوا عن قيمة الهدوء، ونعمة السكون، وأهمية الخلوة، الناسَ المولَعين بالمطالعة والقراءة، كيف يهتبلونها اهتبالًا ..  لإشباع نهمهم المعرفي . . فينعمون فيها بالقراءة والمطالعة، ويتمتعون بها ما شاء الله أن يتمتعوا قبل أن يحرموا هذه الفرص الهادئة . . 


واسألوا عن قيمة السكون والخلوة - كذلك - السادةَ حملةَ القلم ورجالَ الفكر ..  كيف تُواتِيهم - فيها - قرائحهم، وتطاوعهم أفكارهم، وتنشط أذهانهم، وتنثال عليهم المعاني، وتتدفق الخواطر  . . التي تكون حالتها كالصخرة التي كانت مستقرة في قمة الجبل، فدحرجها مدحرج .. فمن يستطيع ساعة انحدارها أن يقف سيرها ..

 هنالك ينطلق القلم، فيقيد هذه الأفكار المتفجرة والمعاني المتدفقة، حتى لا يجف معينها، أو يتوقف فيضها . .


وكذلك اسألوا المرضى عن أهمية السكون والهدوء ..

فللهدوء دوره في إراحة المرضى، وإعادة الصحة والعافية والسلامة إلى أهل الأمراض والعلل، والمصابين بالهموم والأحزان والأشجان .

الحقيقة أن السكون منبع لتفجير المعاني وتوليد الأفكار، وسبب من أسباب الإلهام و إثارة القرائح ..

أو إذا شئنا قلنا : إن  الأعمال الفكرية والإنتاجات القلمية وإثراءات العقل المبدَعة .. معظمُها مدين للهدوء والسكون .. فلو لم تسنح لرجال الفكر وحملة القلم ساعات الهدوء وفرص السكون، لَما جادت قرائحهم - بما جادت به -  من نتاج الفكر ومواتاة الطبيعة وفيض الخاطر ..

ولأمر ما كان يخلو الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة بغار حراء، يتعبد فيه، ويتمتع بجوه الهادىء، وسكونه الملهم، قد صفت نفسه من صفاء محيطه، منعزلًا عن الناس وعلائق الحياة، بعيدًا عن شغب الدنيا  وضجيجها ومكدراتها، متعرضًا للنفحات  القدسية المنعشة للروح ومدارك الفكر، مستعدًا للإلهام، فجاءه الإلهام، ومتهيئًا للوحي، فجاء الوحي ..

فالسكون مصدر الإلهام، ومنبع الأفكار، وهو - وقتُ السكون - نعمة للأدباء والمؤلفين والكتاب أي نعمة، تصفو فيها نفوسهم، وتنتعش أذهانهم، وتتفتق قرائحهم، فتغزر معانيهم، وتتدفق عليهم الخواطر، حتى إن أحدهم - في بعض الأحيان - ليحار في الاختيار، ماذا يأخذ وما يذر، وبم يفضل بعضها على بعض .. وكأنه في الفورة في معين الأفكار والخواطر . .   أو كأنه يواجه أمواجًا متلاطمة من  بحر المعاني والأفكار . . 

وبالعكس .. فإن الشغب والصخب يؤثر على ذهن الإنسان، ويؤدي إلى بلبلة أفكاره، وتعكير صفاء نفسه، ويحرمه أغلى وأروع ما تجود به قريحته - في وقت الصفاء والإلهام - من المعاني الغزيرة والمضامين الجليلة، و يجعل الخاطرَ شذر مذر، من شجون لا تبقي ولا تذر ..


هذا . وإن أروع أوقات السكون وقتُ السَّحَر ، الذي ما وفق أحد لانتهازه، والانتفاع به، إلا صفت نفسه، وتدفقت قريحته، وفاض معين أفكاره، وجاشت خواطره، وأبدع فكره، وغزر إلهامه، وتفجر ينبوع معانيه .

والحقيقة أن وقت السحر أكثر الأوقات هدوءا، وأعظمها خيرًا وبركة،  ومن ثَم فهو - وقت السَّحَر - أدعى لصفاء الذهن، ونشاط الذهن، وصحة التفكير وغزارة الإنتاج، ووفرة الإلهام وروعة الإبداع .. مع جودة خاطر ماطر، وصحة نفس عاطر .. 


حلل من السِّحر الجميل ومَوكِبٌ

من  روعة    الإيحاء   و الإغراء


وان أعظم العباقرة وأنبغ النوابغ إذا قرأتَ عن تفاصيل حياتهم، واستعرضت عناصر تكوين شخصياتهم، وجدت أنهم كانوا من الذين يحرصون على اغتنام وقت السحر، فكانوا يتصلون فيه بالطبيعة اتصالًا مباشرًا، ويتنسمون نسائمه الروحية اللطيفة المباركة، وهناك بيت معروف لشاعر الإسلام العلامة الدكتور محمد إقبال رحمه الله في  هذا المعنى، يقول :


 عطار ہو رومی ہو رازی ہوغزالی ہو 

کچھ ہاتھ نہیں آتا بے آہ سحر گاہی


أي : كن عطارًا أو روميّا أو الرازي أو الغزالي .. ومن شئت من الجهابذة والفطاحل .

ولكنك لا تحصل على شيء .. ولا تعود بطائل ما لم تكن  لك أنات  وابتهالات وتضرعات في الأسحار . . !

فيا أيها الباحثون عن الهدوء، عليكم بالأسحار . . !

ويا أيها الباحثون عن صفا النفوس وطهارة القلوب، عليكم بالأسحار . . ! 

 ويا أيها الباحثون عن البركة في العلم والرزق، عليكم بالأسحار . . !

ويا أيها المتطلعون إلى النبوغ والمجد والعظمة، عليكم بالأسحار . . !

ويا أيها الراغبون في المغفرة، عليكم بالأسحار : { وبالأسحار هم يستغفرون ٫} .

( الاثنين : ١٣ من شعبان ١٤٤٧ھ = ٢ من فبراير - شباط -   ٢٠٢٦م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده