معالم في طريق الطامحين (٢)
على مائدة العلم والأدب
معالم في طريق الطامحين (٢)
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
تحدثنا في الحلقة الأولى من سلسلة : " معالم في طريق الطامحين " عن المعلم الأول، ونواصل الحديث عن معالم أخرى في هذه الحلقة بإذن الله تعالى .
( ٢ ) ابدأ بالأهم
ومشتت العزمات ينفق عمره
حيرانَ لا ظفرٌ و لا إخفاقُ
تتزاحم المسئوليات وتكثر التبعات، فيحار الإنسان . . أيًّا منها يُفضِّل ويرَجّح . . و أيًّا منها يؤجل ويؤخر . . ؟
والجواب : يفعل ما أرشد إليه الإمام الشافعي قائلًا : " إذا كثرت عليك الحوائج فابدأ بأهمها " . . وهذه القاعدة من أهم أسس علم الإدارة في العصر الحديث، فهي تقدم لنا منهجًا هاديًا حين تتزاحم أمامنا المسؤوليات والأشغال .
وبه قال ابن المقفع في الأدب الصغير والأدب الكبير :
" لا تتركن مباشرة جسيم أمرك، فيعود شأنك صغيرًا، ولا تلزمن نفسك مباشرة الصغير، فيصير الكبير ضائعًا .
واعلم أن مالَك لا يغني الناس كلهم ، فاخصص به أهل الحق، وأن كرامتك لا تطيق العامة، فتوخ بها أهل الفضل، وأن قلبك لا يتسع لكل شيء، ففرغه للمهم، واعلم أن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجاتك، وإن دأبت فيهما، وأن ليس لك إلى إدامة الدأب فيهما سبيل مع حاجة جسدك إلى نصيبه منهما ، فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك " .
*( ٣ ) خذ كل علم من أهله*
هذا شيء مهم في هذا الباب، ففاقِد الشيء لا يعطيه، فينبغي للإنسان الذي يريد الإبداع أو التخصص في فن أن يلزم أصحابه، وهكذا كان سلفنا رحمهم الله تعالى .
فهذا الشافعي كان يأخذ كل علم من أهله، فقد أخذ الحديث من سفيان ومالك، والفقه من مسلم بن خالد ومحمد بن الحسن، واللغة من هذيل، وكانت أفصح العرب، وحفظ من أشعارهم الكثيرَ، بل إنه كان يستفيد من المتخصصين، ولو كانوا من تلاميذه، فها هو يقول للإمام أحمد بن حنبل - وهو تلميذه - : " أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صح عندكم الحديث فقولوا لنا حتى نأخذ به" .
وقال الحميدي - تلميذه - : "صحبت الشافعي في مكة إلى مصر، فكنت استفيد منه المسائل، وكان يستفيد مني الحديث . . ، وهذا من تواضعه - رحمه الله تعالى - وتمام نبله وكمال عقله، فإن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها " .
*(٤) إبدأ بإتقان كتاب واحد في الفن:*
العلم فنون كثيرة، وكل منها له كتب مختصرات ومطولات، وشروح وحواش، فابدأ بإتقان كتاب في فن واحد، ثم توسع بعد ذلك، فهكذا كان سلفنا يفعلون، فإن الشافعي - مثلًا - قد بدأ بالموطأ، فأتقنه، وقال المزني - أحد تلاميذ الشافعي الذين لازموه بمصر - : " أنا أنظر في كتاب ( الرسالة ) للشافعي منذ خمسين سنة، ما أعلم أني نظرت فيه مرة، إلا وأنا استفيد شيئًا لم أكن عرفته " .
ثم استفاد هذه القاعدة أبو العباس بن سريح، ولكنه أتقن كتاب "المزني" ، فأدمن على القراءة فيه ومطالعته، ( عشرين سنة في جيبه) حتى قال فيه :
لصديق فؤادي منذ عشرين سنة
وصيقل ذهني والمفرج عن همي
عزيز على مثلي إعارة مثله
لما فيه من نسيج لطيف ومن نظمه
جموع لأصناف العلوم و بأسرها
و آيته أن لا يفارقه كمي
*(٥) كن طلاع الثنايا:*
كن متطلعاً طموحًا إلى المعالي، وصابرًا على المتاعب والمشاق في هذا الطريق المفروش بالشوك والقتاد، وقد قالوا : اركب الآذيّ تركب الماذيّ . (١)
قال الشافعي - وقد كان فقيرًا أول أول حياته - : "ثم لما خرجت من الكتاب كنت أتلقط الخزف والدفوف - الجلود - وكرب النخل، وأكتاف الجمال، أكتب فيها الحديث، وأجيء إلى الدواوين، فاستوهب منها الظهور فأكتب فيها، حتى كانت لأمي حباب (٢) فملأتها أكتافاً وخزفاً ومملوءة حديثاً، ومن ظن أن العلم يحصل له بلا تعب فقد ظن المستحيل " .
وقال يحيى بن أبي كثير : " لا يستطاع العلم براحة الجسم " .
وحاول أن تُعَوّد نفسك التكيف مع الظروف القاسية، ولا تيأس مهما كان الجو مُدلهِمًّا، فلا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس، والمسلم لا يصاب بالقنوط والإحباط، والإسلام يحارب اليأس والتشاؤم، ويرحب بالتفاؤل والأمل، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : « ليس منا من تطير » (٣) ، وكان صلى اللّٰه عليه وسلم : « يعجبه الفأل الصالح » ، أي الكلمة الحسنة ..
وتاريخنا الإسلامي زاخر بأمثلة رائعة من الذين قلبوا اليأس أملًا والتطير تفاؤلًا، فهذا - مثلًا - قتيبة بن مسلم يقف ليخطب على المنبر، فيسقط من يده القضيب، وإذا بهمة قتيبة تقلب التطير تفاؤلًا . . فيتناول القضيب قائلاً : ليس الأمر كما سرّ العدوَ، ولكنه كما قال الشاعر :
فألقت عصاها واستقر بها النوى
كما قر عينًا بالإياب المسافر
التشاؤم يُسَوّد الحياة، ويُثَبِط الهمة، ويشل العزيمة، ويصيب صاحبه بالقنوط والإحباط ، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تفاؤلًا، وأبعدهم من التطير، فيروى أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة نزل على رجل من الأنصار ، فصاح الرجل على غلاميه قائلًا : يا سالم ويا يسار ! فتفاءل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وقال : « سلمت لنا الدار في يسر وسهولة » .
والحقيقة أن الحياة عبارة عن المشكلات والمخاوف والمثبطات، فما قيمة الحياة إذا خلت من الإشفاق والخوف، ومواجهة والمشكلات ومحاولة التخلص منها، وإلقاء الأسئلة والتماس الأجوبة لها، وأي غناء في الجماعات الحيّة الميتة التي وجدت لكل مشكلة حلاً ، ولكل سؤال جواباً . .
الهوامش :
(١) الآذي : موج البحر، الماذيّ : العسل .
(٢) جمع حب، وهو الجرة .
(٣) مجمع الزوائد، الراوي : عمران بن الحصين .
( الجمعة : ١٧ من شعبان ١٤٤٧ھ = ٦ من فبراير - شباط - ٢٠٢٦م ) .
تعليقات
إرسال تعليق