محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء (١١)
على مائدة العلم والأدب
محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم
المثل الأعلى للأدباء (١١)
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
نماذج من مناهج التعبير النبوي (٤)
*النموذج الرابع*:
عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: « المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه » .(۱)
*من آيات الروعة البيانية*:
نعم ! إن هذا الحديث الشريف من أعظم روائع البيان، ناطقٌ بسحر كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ومثال رائع من أقواله - صلى اللّٰه عليه وسلم - القليلة الألفاظ والكلمات، الغزيرة المعاني والمدلولات.
*دقة اختيار الألفاظ*
أما الذي يهمنا من هذا الحديث المعجز البليغ فهو ما يحتويه من ألفاظ وكلمات دقيقة مصورة موحية، فكأن الرسول نبه بقوله: « المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده » إلى أن : أيها المسلم ! يا من سلمت نفسه وقلبه وعقله وذهنه من الشك والارتياب والخرافات والأوهام والمعاصي والآثام . . ينبغي بل يجب أن تسلم - أيضًا - أعضاؤك وجوارحـــك - مـــن الأيدي والأرجل واللسان - من إيذاء المسلم، يجب أن يكون المسلمون في مأمن من لسانك ويدك . . فإياك وإياك ومسّ المسلم بأي نوع من أنواع الأذى المعنوي من الهمز واللمز والطعن والغيبة والنميمة وما إلى ذلك ..
والعجيب أن الكثيرين يستهينون بجرح اللسان .. رغم أن جرحه أعمق من جرح السنان، وقديمًا قال الشاعر العربي :
جراحات السنان لها التئام
ولا يلتام ما جرح اللسان
و :
وقد يرجى لجرح السيف بُرء
و لا برءٌ لما جَرَح اللسان
و :
كل الجروح إذا ضمّدتها شُفيت
وما يفيد بجرح القلب تضميد
ثم جرح اللسان يتعدى أثره إلى ما بعد هذه الحياة : « وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم » . (٢)
*أدب الهجرة*.
ليس المقصود : " الهجرة الظاهرة " . . الانتقال من مكان إلى مكان، وارتحال من دار إلى دار، ولكنها « هجرة معنوية روحانية ربانية . . ولكنها هجرة الأرواح وفرارها من الأدناس والأرجاس إلى عالم الطهر والنقاء والصفاء» (٣) فالاعتبار بالعاطفة التي تدفع المرء - الذي هاجر الوطن والأهل والأولاد والأحباب والأقرباء - إلى الهجرة .
إنما هي النية التي تعمل عملها من وراء ستار . . إن خيراً فخير . . وإن شرًًا - ولا سمح الله بذلك - فشر، فالعبرة دائماً عند الله سبحانه وتعالى بالمعنى . . ولا اعتبار بالظاهر . . مهما راق وراع وبشر بخير . . في ظاهر الأمر . .
- إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكنه ينظر إلى قلوبكم .
- لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية .
- والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه .
فالمهاجر الحقيقي الذي يعمل بقوله تعالى : { ما آتكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } .
إن هذا الأسلوب من الكلام - الذي اختاره رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم - من بديع أنواع البيان، وهو تجنيس الاشتقاق، أي يرجع اللفظان في الاشتقاق إلى أصل واحد، نحو قوله تعالى : { فأقم وجهك للدين القيم } .
وليس المراد بأن من لم توجد فيه الخصال المذكورة في الحديث لم يكن مسلماً ـ كما يدل على ذلك ظاهر الحديث - بل إنما هو من قبيل : " المال الإبل " . . و: " الناس العرب " . . فليس فيه الحصر بل التفضيل . . فكذلك المسلم الكامل : « من سلم المسلمون من لسانه ويده » والمهاجر الحقيقي: من « هجر ما نهى الله عنه » .
وذلك أيضًا من أروع الأساليب البيانية، وبدائع الفنون الكلامية التي تؤكَّد بها أهميةُ أمر أو أمور، دون أمر أو أمور . . ؛ ويُلفت فيها نظر السامع أو المخاطب إلى أشياء لها أهميتها وقيمتها، وإن هذا الأسلوب من الكلام شاع في الأقوال النبوية - على صاحبها الصلاة والسلام - ، واكتفينا هنا بتقديم نموذج واحد من ذلك.
الحق أنني لا أكاد أصف هذا الحديث - الذي لا يتجاوز جملتين اثنتين - حق وصفه، ولكن كل كلمة من كلمات هاتين الجملتين تحمل من الروائع والبدائع - في المعاني والمباني - ما لا يوصف .
فلننظر إلى دقة أسلوب هذا الحديث الرائع فيما يحتويه من ألفاظ وكلمات يساعد بعضها بعضًا في تصوير المعاني أيما تصوير . . ولنتمتع بتلك النغمة أو الموسيقى الساحرة النابعة من أداء هذه الألفاظ، ونجد كل لفظ - مــن هذه الألفاظ، التي يشتمل عليها الحديث - زاخراً بالمعاني العجيبــة والـصـور الفنية البديعة.
حقًّا ! إن هذا الحديث أعجوبة من أعاجيب الكلام، ومثال رائع فذ لدقة اختيار الكلمات، وقلة الألفاظ وغزارة المعاني وسحر البيان، وقدرة النبي عليه الصلاة والسلام على امتلاك ناصية الكلام، و براعته في استخدام الأساليب البيانية براعة بلغت إلى حد الإعجاز ..
فسبحان من علمه البيان, وأنطقه مثل هذه الحكم الدرر التي هي غرة في تاريخ البيان, والصلاة والسلام على من نطق بها وعلى آله وصحبه ومن والاه .
*الهوامش*
(١) صحيح البخاري - كتاب الإيمان : باب من سلم المسلمون من لسانه ويده .
(٢) قال الترمذي: حديث حسن صحيح .
(٣) من تعبير الأستاذ سلامة كامل الدقس : دراسة أدبية لأحاديث نبوية مختارة : ١٨ .
( الأحد : ١٥ من جمادى الثانية ١٤٤٧ھ = 7 من ديسمبر - كانون الأول - 2025 )
تعليقات
إرسال تعليق