العالم الداعية المربي الشيخ عبد الله الحسني( ٢ )
شخصيات أعجبتني : (٣٨)
العالم الداعية المربي الشيخ عبد الله الحسني( ٢ )
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
[ كنت كتبت مقالين عن الشيخ عبد الله الحسني الندوي بعد وفاته، نُشِىر أحدُهما في الحلقة السابقة، وكان بعنوان : « فقيد العلم والدعوة والمروءة : الشيخ عبد اللّٰه الحسني » .
أما المقال الثاني، فكان بعنوان : « رحمك الله يا أخي عبد اللّٰه » ، وهو فيما يلي ] .
* * *
*رحمك الله يا أخي عبد اللّٰه !*
الرضا بالقضاء :
ماذا أقول ... ؟ وكيف أقول . . . ؟
فهول المصاب وفداحة الخطب تجعل جواد البيان يتعثر، واللسان يتلعثم، والقلم يعجز عن وصف الهم الذي يعتصر القلوب، والوجوم الذي يكسو الوجوه . . !
ولكن رغم هذا الكم الهائل - الذي لا يتصور - من الهم والحزن . . لا نقول إلا ما يرضي ربنا، فنحن راضون بقضاء الله، وخاضعون لحكمه، فإن لله ما أخذ وله ما أعطى، وهو الذي لا يحمد على مكروه سواه .
* * *
*رحمك الله يا أخي عبد الله !*
وإنا بفراقك لمحزونون :
كم حزنت القلوب، وسالت الدموع على فراقك، ولو سُطرت هذه الدموع على الخدود، لما سطرت إلا حب أصحابها إياك، وحزنهم على مفارقتك إياهم !
ما ضيع الباكي عليك دموعه
البكاء على سواك مضيع
* * *
*رحمك الله يا أخي عبد اللّٰه !*
الحدث الجلل :
صدقني يا أخي ! إن موتك أحزنني حزنًا لم أُصَب بمثله قط في حياتي إلا مرتين . . مرة عندما توفيت والدتي الحبيبة رحمها الله، وأخرى عند ما توفي جدك العظيم الإمام الندوي - رحمه الله - الذي بكاه العرب والعجم، وحزن على موته الشرقُ والغرب .
أصيب به الإسلام وارتج أهله
على فقده حتى أصيب به البصر
كأن بني الإسلام يوم وفاته
نجوم سماء خر من بينها البدر
فإن لموتك صدمة أصابت عقولنا بالذهول، حتى جعلت بعضنا يقول ـ على لسان الرافعي - : "رب ! لم كتبت علينا هذا . . ؟ لماذا حكمت بذلك . .؟ لماذا قدرت وقضيت ؟ ما حكمتك فيما كان . . ؟ " ، ثم يتوب إلى نفسه، ويفيء إلى الحق . . فيقول - تائبًا مستغفرًا - : " رب لقد ظهر حكمك، ودقت حكمتك فمغفرة وعفوًا .. " .
* * *
*رحمك اللّٰه يا أخي عبد اللّٰه !*
الغائب الحاضر:
غبت عنا . . ولن تغيب عنا ذكراك العطرة . . وستبقى أعمالك وإنجازاتك خالدة في ذاكرتنا :
جمالك في عيني وحبك في قلبي
و ذكرك في فمي فأين تغيب ؟
إن أندية العلم، وحلبات البيان ومنابر الدعوة، وقاعات الدروس، ومحاريب الجوامع، ومنصات الحفلات والمؤتمرات، ومخيمات التربية والإصلاح . . كلها تبحث عنك، وكأنها فقدت روحها وحركتها، وبهاءها وازدهارها . . !
فكم وكم من عطاش العلم عبوا من معين علمك، واغترفوا من منهل معرفتك ماشاء الله أن يغترفوا، . . ونهلوا - كذلك - من ينبوع إخلاصك ونبلك وكرمك ما شاء الله أن ينهلوا !
أنفقت عمرك للمعالي مثلما
أنفقت هذا العلم للطلاب
وكم وكم هدى الله بك، وأخرج من الظلمات إلى النور « لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من حمر النعم » ، وقد كنت تعمل هذا العمل الأساسي الأصيل . . عمل الدعوة الذي ما تسنمت الأمة، ولا فضلت على غيرها إلا به، فهو - عمل الدعوة - وسام عزها، وعنوان شرفها، وتاج رأسها . . { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } .
أقول كنت تعمل هذا العمل - عمل دعوة عباد الله إلى دين الله - في صمت وهدوء، دون ضجيج إعلامي، ولا دعاية صحفية، لأن الذي كنت تعمل هذا العمل له . . لا تخفى عليه خافية، وكفى به - سبحانه - عليمًا خبيرًا !
* * *
*رحمك الله يا أخي عبد الله !*
صاحب اليد البيضاء:
وأفضل الناس من بين الورى رجل
تقضى على يده للناس حاجات
وهناك ناحية أخرى مشرقة من نواحي حياتك الطيبة، لا يعرف عنها إلا القليل الأقل من الأدنين من أصحابك، وهي ناحية تسمو بمكانتك على الكثيرين من أقرانك . . . وترفع مكانتك عند الله درجات . . !
وهي أن الله سبحانه كان أعطاك قلبا رحيما يتحرق ويتألم لمصائب الآخرين ومشكلاتهم من أهل الحاجات وأرباب الضرورات . . فكم وكم من أصحاب المسغبة والمتربة من المساكين والأرامل واليتامى والمعانين من ضيق ذات اليد حرموا - لفقدهم إياك - عطفك عليهم، وتعهدك لهم بالرعاية والعناية التي كنت توليها اياهم، فكنت ترعاهم وتسد حاجاتهم، وتمد إليهم يدك البيضاء بعطاء لا يعلمه إلا الله أو الأقربون ممن كانوا معك . . وهذا العطف والرحمة مما يثقل ميزان حسناتك -إن شاء الله - يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .
* * *
*رحمك الله يا أخي عبد الله !*
الابن البار :
لقد كنت ابنًا بارًا جدًّا لأسرتك العظيمة، فما رأيتُ - واللّٰه - من أفراد أسرتك الحسنية الماجدة أحدًا أكثر منك اعتزازا بأمجادها ومفاخرها، وخاصة بإنجازات جدك العظيم الإمام الندوي - رحمه الله ـ وكان لك الحق كل الحق في ذلك، فإن مآثر أسرتك لأجدر بالاعتزاز والتقدير، وهي - أمجاد أسرتك - فعلًا محل الإعجاب والإكبار لدى جميع المُنصِفين من جميع أنحاء العالم الإسلامي، فلا يغمط فضل أسرتك إلا مكابر . . على أن الاعتراف بالفضل في حد ذاته يدل على الفضل، فلا يعترف بالفضل لأهله إلا ذووه !
* * *
*رحمك الله يا أخي عبد الله !*
اقتفاء الأثر في الحياة والممات :
وكم كنتَ حريصًا على البر بآبائك واقتفاء آثارهم، واتباع منهجهم في الدعوة والتربية والإصلاح وفي جميع شؤون الحياة، بل حتى في الموت سرت على نهج والدك، فقد فارقتنا وأنت لم تدخل مرحلة الشيخوخة، وقد كان توفي والدك - رحمه الله - وهو لا يزال في مرحلة الشباب، هكذا أثبت حرصك على اتباع سنة أبيك في الموت والحياة !
* * *
*رحمك الله يا أخى عبد الله !*
الأسرة المحظوظة :
أسرتك الحسنية - أسرة الشيخ أبي الحسن الندوي - أسرة محظوظة . . . فقد حباها اللّٰه بخصائص لم يحظ بها غيرها إلا نادرًا، وأكرَمَها بصفات وسمات لم تتسم بها أسر أخرى إلا قليلًا جدا . . الأسرة التي بلغت عنان السماء فى السمو الخلقى والإنساني، وفى القيام بالإنجازات العلمية، كما هي ذات صولات و جولات وعزمات في الدعوة والجهاد، والبطولات والتضحيات.
* * *
*رحمك الله يا أخي عبد الله !*
حب واعتراف :
أنا - والحمد للّٰه - من أولئكم من الآلاف المؤلفة من المحبين المعترفين لأسرتك الحسنية بحسناتها ومكرماتها، العارفين لعظمائها وعباقرتها بقدرهم ومكانتهم، وعلى رأسهم الإمام الندوي، الذي اعترف بشخصيته الفذة مسلمو العالم قاطبة . . ولست مقدرًا لإنجازات أسرتك فحسب، بل مدين للعديد من رجالها بإلمامي بالعربية ومساهمتي في خدمتها، ومنهم أبوك العظيم، فقيد العربية والدعوة الكاتب الموهوب الأستاذ محمد الحسني (١) الذي أحبه حبًا لم أحب مثله كاتبًا - من كتاب العربية المعاصرين - غيره رحمه الله، وأعجب به إعجابًا قد يبلغ درجة التعصب والمبالغة والإسراف عند البعض . . !
فأبوك هو صاحب الفضل الأكبر عليّ - بعد الله - في تذوقي للعربية، وعشقي إياها، وإعطاء كتاباتي نوعًا أو شيئا من الإعجاب والقبول، ولا بد من أن أعترف من باب رد الفضل إلى أهله أنني مدين في الكثير من كتاباتي العربية لكتابات ومقالات أبيك، وخاصة لكتابه : " الإسلام الممتحن" الذي قرأته عشرات المرات . . ولا تظنه تزيدًا أو مبالغة أو مجاملة . . . بل إنه قول يعلم اللّٰه صدقه، فإذا أردت أن أكتب شيئًا في موضوع مهم . . . قرأت هذا الكتاب، فما أن أقرأ عدة صفحات من هذا الكتاب العجيب المبارك، إلا وتتدفق القريحة، و يجيش الفؤاد. وتتزاحم التعبيرات وتتكاثر المعاني والخواطر، وإذا بالمقال جاهز للنشر في مدة قياسية.
وإذا قلت لم أكن مبالغا إن أباك محمدًا الحسني كان هبةً للعربية ومحبيها، واختاره القدرُ لنا كما اختار الله الأنبياء، إلا أنه - أبوك - نبي التعبير والبيان بلغة الضاد، رحمه الله ! ( ومعذرة على هذا التعبير، إذا كان فيه حرج . . ) .
فالحقيقة أن أباك - محمد الحسني - كان من الطراز ليس الأول . . بل الأندر من كتاب العربية المعاصرين.، فهو صاحب أسلوب فريد فذ نسيج وحده، كأنه قبس من الوحي، أو آية من الآيات، أو سحر من السحر، ولكنه سحر حلال مبارك، أشار إليه وأشاد به الحديث النبوي الشريف: "وإن من البيان لسحرًا ".
وإنها لحقيقة مؤسفة . . - وعفوًا على إظهارها - أن الندوة عقمت أن تنجب محمدًا حسنيًّا ثانيًا . . . و واللّٰه العظيم لقد كانت مجلات الندوة العربية والأردية فقدت روحها - أو أيتمت - (٢) يوم فقدت أباك العظيم الكاتب الموهوب المعجزة : محمدًا الحسني، رحمه الله !
* * *
*رحمك الله يا أخي عبد الله !*
*حياة التقوى*:
نشهد أنك قضيت حياتك مطيعًا للّٰه ورسوله صلى اللّٰه عليه وسلم، نقيًّا تقيًّا طاهرًا، فكنت معروفًا بالصلاح والتقى منذ طفولتك، ومرورا بمراهقتك وشبابك، إلى أن لبيت دعوة ربك .
ولو شئت لعشت عيشة الترف والرخاء، ولكنك قنعت بالكفاف، وآثرت الزهد في حطام الدنيا، وتنازلت حتى عن حقك "المرتب"، (٣) وما أخذت ولا سألت أجرًا على عملك مدرسًا أو داعية، وهكذا يكون العلماء الحقيقيون الذين عدهم الرسول صلی الله عليه وسلم ورثة الأنبياء الذين كانوا لا يسألون أجرا . . بل كانوا يقولون : { إن اجري إلا على رب العالمين } .
وكلما لقيناك وجدنا على وجهك براءة الطفولة، وسيما الصلاح، وبسمة الرضا، وإشراقة الإيمان، وأثر صلاح الباطن، وكل ذلك من آثار التربية الصالحة التي تلقيتها في بيئتك الحسنية، وفى ظلال المراقبة الشخصية لجدك الإمام أبى الحسن - رحمه الله - الذى كان تولى بنفسه تربيتك، فقد كنت في الحقيقة غرس جدك، وثمرة تربيته !
صنائع فاق صانعها ففاقت
وغرس طاب غارسه فطابا
* * *
*رحمك الله يا أخي عبد الله !*
العالم الرباني :
كنت خفيف الظل، لطيف المعشر، صافي الروح، متحليًا بالأريحية والمروءة، طاهر الجنان، عفيف اللسان، حلو الكلام، ذا صوت رقيق جميل، فكنت تتكلم وكأن الأزهار من فمك تنتثر، ويفوح منه المسك والعنبر، فكان الكلامُ الحلو ميزتَك، وما رأينا ولا عرفنا عنك إلا خلقًا كريمًا، ونُبلَ نفس، ونظافةَ لسان، وأخلاقَ عالم رباني، الأمر الذي كثَّر أحبابك وأصدقاءك، وزاد من تأثير كلامك، { ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك } .
* * *
*رحمك الله يا أخي عبد الله !*
في دار الكرامة :
أعرف أنك الآن في عالم آخر . . ، تكون فيه - إن شاء الله . أعظم روحًا، وأهدأ بالًا، وأتم أمنًا وأمانًا من المنغصات والمكدرات، التي ترافق الإنسان طوال مسيرة الحياة، ولا تفارقه إلا إذا فارق هو الحياة وراح إلى الآخرة .
وأعرف أن كلامي هذا لا يصل إليك، ولكن أقوله تسلية لنفسي، وتفريجًا عن بعض حزني، ووفاء ببعض مقتضيات الحب والأخوة، وتقديمًا لكليمات عزاء متواضعة إلى أهلك وأسرتك، وذكرًا لبعض مآثرك، وما المرء إلا ذكره ومآثره .
* * *
*رحمك الله يا أخي عبد الله !*
بشرى للصابرين:
ماذا أقول فيك يا أخى .. ؟ فأنت أنت . . فالشمس لا تحتاج - إذا أشرقت - إلى أن يقال لها : مرحبًا بك يا مضيئة الكون وكاشفة الظلام ! ولا يقال للبدر إذا طلع : أهلًا وسهلًا يا قمر السماء ! ولا للسحاب حياك الله يا حامل الماء !
وأخيرًا - لا آخرًا - لا يسعنا إلا أن نقول لأعضاء أسرتك : عظم الله أجركم. وأحسن عزاءكم، وختم بالصبر على قلوبكم .
ونقول لأعظم المفجوعين بفقدك، وأكبرهم حزنًا بفراقك، عميد الأسرة، وكبير علماء البلد، وربان السفينة الإسلامية الهندية مربينا وأستاذنا الجليل سماحة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي ـ أطال الله بقاءه ـــ (٤) :
اصبر نكن بك صابرين فإنما
صبر الرعية عند صبر الرأس
{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)
*الهوامش :*
(١) قد مضى التعريف به في الحلقة السابقة.
(٢) هذه الفقرة تعبر عن رأي الكاتب الشخصي، ولا يعبر - بالضرورة - عن أحد غيرِه !
(٣) كان رحمه الله مدرسًا بندوة العلماء، ومديرًا لتحرير جريدة : " الرائد " ، ولكنه ما كان يأخذ راتبًا، بل كان يؤدي مسؤولياته محتسبًا للًه تعالى . وكذلك الشيخ أبو الحسن الندوي والشيخ محمد الرابع الحسني والشيخ محمد واضح رشيد الحسني، فقد كانوا تنازلوا عن مستحقاتهم، رحمهم الله وبوأهم الفردوس الأعلى .
(٤) انتقل إلى رحمة الله في 2023 .
( الثلاثاء : ١٠ من جمادى الثانية ١٤٤٧ھ : 2 من ديسمبر - كانون الأول - 2025 ) .
تعليقات
إرسال تعليق