محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء(١٠)

 على مائدة العلم والأدب

محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم
    المثل الأعلى للأدباء(١٠)


نماذج من مناهج التعبير النبوي (٣)


محمد نعمان الدين الندوي

         لكناؤ، الهند



*النموذج الثالث*:


إخراج المعنويات في صورة المحسوسات :

عن النعمان بن بشير يقول : سمعت رسول الله ﷺ يقول :

« الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشتبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه .

ألا . . . وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله محارمه، ألا ! وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب » . (۱)


*بيان الحديث الشريف*


قالت العلماء : إن هذا الحديث من مهام الدين، وأصل عظيم من أصول الشريعة،  حتى قال بعض العلماء: يمكن أن ينتزع من هذا الحديث وحده جميع الأحكام، لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعليق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا . . يمكن أن ترد إليه جميع الأحكام !

المهم عندنا هو النظر إلى هذا الأسلوب الرائع الذي اختاره الرسول في الحديث الشريف .

فانظر براعته - صلى اللًٰه عليه وسلم - في تقريب الحقائق الفكرية والأمور التي لا تدخل تحت الحس بالأمور التي تحس وتشعر، فإن ذلك أدعى إلى الفهم، وأشد ثباتًا وأثرًا ورسوخاً في الذهن والقلب، وتمكنًا من العقل .

بدأ  الحديث الشريف بكلمتين خفيفتين واضحتين لا غموض فيهما ولا التواء، وهما :  الحلال بين والحرام بين . .  أي ظاهر بالنظر إلى ما دل على الحلال أو على الحرام بلا شبهة . . 

ثم ينبه الحديث  إلى أمر ليس له كبير أهمية عند الناس وهو عند الله ذو بال وخطر، وهو أن بين الحلال والحرام أمورًا مشتبهات أي الوسائط التي يكتنفها الدليلان من الطرفين بحيث وقع الاشتباه ويعسر ترجيح دليل أحد الطرفين إلا عند قليل من العلماء . (٢)

ثم يوضح الحديث موقف المؤمن المتقي الذي يحب أن ينال رضا اللّٰه ويتجنب من سخطه ونقمته، فيقول : « فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه » أي طلب البراءة في دينه من النقص، وعرضه من الطعن فيه، أي صار في مأمن من أن يُنال من دينه وعرضه.

ثم ينذر الحديث بخطر كبير قائلًا : « من وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ».

انظر كيف يثبت النبي صلى الله عليه وسلم خطر الشبهات، وكيف يؤكد ضرورة الاتقاء منها، فيشبه الواقع في الشبهات بالراعي الذي يرعى حول الحمى، فلا  يأمن من أن تدخل غنمه حمى الملك الذي لا يسمح بالرعي فيها لغنم عامة الناس، فإذا دخلت ماشيته الحمى تعرض للخطر والعقاب.

وكيف بك . . . إذا كان ذلك الحمى حمى الملك الجبار العزيز ذي انتقام الذي لا يفر من عقابه أحد . . ألا إن حمى الله محارمه ! فليتجنب مـــن عقابه وسخطه الشديد الذين يخافون الله بعدم القرب من حماه، فمن لم يفعل ذلك تعرض للخطر والعقاب الأليم.

انظر أسلوبه  القارع الشديد البليغ في قوله : « ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه » ! وذلك حرصًا منه ـ صلى اللّٰه عليه وسلم - علـى عدم تعرض أمته لذلك الخطر الذي أنذر به من لم يحذر منه !


وفي الختام يشير الحديث الشريف إلى حقيقة كبرى : وهي : « ألا ! إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب » ، وقديماً قيل : القلب سلطان الجوارح، والناس علـــــى دين ملوكهم . . . إنها حقيقة أيضًا . . 

فلا بد للإنسان من أن يُعنى بصلاح قلبه، وتطهيره من الأدناس والأرجاس، وتنويره بنور الإيمان والتقى، وتحليته بالفضائل والخير، فمن أصلح قلبه أمن من الشر، ومن لم يفعل تعرض للخطر ! 

حقاً ! إنها كانت صورة تشبيهية بديعة، وفنًّا رائعًا من فنون البيــــان وآية من آيات البلاغة النبوية، ودليلًا باهرًا على امتلاكه - صلى اللّٰه عليه وسلم - لناصية اللغة والبيان .

اللهم صل على حبيبك النبي الذي أدبته فأحسنت تأديبه، وأعطيته جوامع الكلم التي لم تعطها أحدًا غيره، وسلمته زمام البيان وأنعمت عليه بنعمة القرآن يا خير المنعمين ويا خير المعطين !


الهوامش :

(١) رواه البخاري : كتاب الإيمان : باب فضل من استبرأ لدينه .

(٢) من أمثلة المتشابهات معاملة من كان في ماله شبهة، أو خالطه رياء، فهذا يكره معاملته .


( الأربعاء : ٤ من جمادى الثانية ١٤٤٧ھ = 26 من نوفمبر - تشرين الثاني - 2025 ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده