محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء (٩)

 على مائدة العلم والأدب

محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم
 المثل الأعلى للأدباء (٩)


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


نماذج من مناهج التعبير النبوي(٢)


*النموذج الثاني*:


بلاغة التشبيه في الحديث الشريف :

عن أبي موسى عن النبي صلى اللًٰه عليه وسلم قال : « مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكانت طائفة طيبة، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب  طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (١) .


*تشبيه المعقول بالمحسوس*


انظر تشبیه رسول الله الله النور والعلم-  الذي جاء به، وهـــــــو أمــــر معقول من عند الله - بالغيث . .  - وهو شيء محسوس  ينزل من السماء - ، وما أروع وجه الشبه بينهما، حيث إن النور والعلم - الذي بعث به -  فيه حياة للناس، كما أن الغيث به حياة الأرض.


*بلاغة تشبيه الهدى بـ  : « الغيث »*


لقد اختير ( الغيث ) من بين سائر أسماء المطر ليؤذن باضطرار الخلق إليه، ولذا قال تعالى { وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا } وقد كان الناس قبل المبعث قد امتحنوا بموت القلوب وتصوب العلم حتى أصابهم الله برحمة من عنده (٢) .


إن هذا الحديث الشريف يشتمل على نوعين من ( التشبيه» تشبيه المعقول بالمحسوس وتشبيه المحسوس بالمحسوس، في الأول تشبيه الدين والهدى بالغيث، وفي الثاني تشبيه الناس بالأرض، وما أروع اختيار المشبه به، فمن الأرض خُلقنا وإليها نعود، ومنها نخرج : { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } .

والتشبيه الثاني - تشبيه الناس بالأرض - يشتمل على أنواع من الناس مقابل ثلاثة أصناف من الأرض :


*ثلاثة أنواع من الناس* :


*الصنف الأول*


هو الذي شرح الله صدره للإسلام، ونور قلبه بنور الإيمان، وفتح بصيرته لتلقي الهدي الذي جاء به محمد الله صلى اللّٰه عليه، فاستفاد منه وأفاد، وعلم وعلّم، واهتدى وهدى، وتقابل هذا الصنف المهتدي الهادي من الناس، أرض طيبة صالحة للزرع والنبات خيرة خصبة غنية، ما إن مسها الماء حتى أخذت زخرفها وازينت، وأنبتت من كل زوج بهيج، ثم إن هذه الأرض الطيبة الصالحة لا تتساوى في الإنبات والزرع بل تختلف . .  فبعضها أكثر صلاحية وأشد إنباتًا، وأصلح خيرًا وبركة، والآخر قليل الفائدة، قليل الإنبات، كذلك لا يستوي حال المستفيدين من الهدي الإسلامي، فبعضهم على قمة من الاستفادة والإفادة، فما إن وصلهم النور الرباني والهدي الإسلامي حتى سابقوا إليه، وقد عبر عنهم حكيم الإسلام الإمام ولي اللّٰه الدهلوي بـ : « السُبّاق» الذين رُكّب فيهم الخُلُق  إجمالًا وينبجس منهم فلتاته، إلا أنهم يحتاجون في التفصيل وتمهيد الهيئات على ما يناسب الخلق في كثير مما ينبغي إلى إمام، وفيه قوله تعالى : { يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار } وهم : (السباق » (٣). وهؤلاء السباق هم الرعيل الأول من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين من السابقين إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار، ثم الأمثل فالأمثل . . وهلم جرا.


*الصنف الثاني*


وهم الذين لا يعملون بما آتاهم الله من العلم والحكمة، فتكون عندهم معلومات ضخمة واطلاع واسع كبير على حقائق الشريعة وتعليماتها، ولكنهم : {  مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا } ، وشبههم الرسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم بالأرض التي أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا .


*الصنف الثالث*


وهم الذين لم يعيروا للدين عناية، ولم يلتفتوا إليه أصلًا فما استفادوا ولا أفادوا، وقد عبر عنهم الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم بقوله : « من لم يرفع بذلك رأسًا و لم يقبل هدى اللّٰه الذي أرسلت به » ، وشبههم بقيعان الأرض التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلاء .


يا له من تشبيه ! . . . ويا لها من بلاغة النبي القادرة على التشبيه في تفهيم أمور الدين، تشبيه المعقول بالمحسوس،  تشبيه الدين الإسلامي بالغيث، اللذين جهة مجيئهما واحدة، جهة العلو والسمو المعنوي والسمو المادي أيضًا بالنسبة للأرض، والغيث إنما ينزل من السماء وهي جهته المادية بالنسبة للأرض، ثم هو لا ينزل إذ ينزل إلا بأمر من الله وتحت مشيئته . . وهذه هي جهته المعنوية. ثم إن هذين الأمرين المباركين طاهران من كل دنس ورجس، فلننظر كيف قدم لنا رسول الله الله شيئًا معنويًّا معقولًامحضًا في صورة تمثيلية متحركة شاخصة واضحة لا غموض فيها ولا التواء .. فسبحان من أعطاه مفاتيح البيان، وأسلس له الكلام وميزه بجوامع 

الكلم، صلى اللًٰه عليه وسلم !

الهوامش :

(١) متفق عليه .

(٢) بدر الدين محمود بن أحمد العيني: عمدة القارىء ١/ ٤٧٥ .

(٣) أحمد بن عبد الرحيم المعروف بـ : " شاه ولي اللٌٰه الدهلوي " : حجة اللّٰه البالغة ١٥٦/١ ، ( الكلام مأخوذ بتعديل يسير ) . مكتبة حجاز ديوبند ، الهند .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده