العالم الداعية المربي الشيخ عبد الله الحسني (١)
شخصيات أعجبتني : (٣٨)
العالم الداعية المربي الشيخ عبد الله الحسني (١)
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
*[ هذا المقال كان كتب بعد وفاة الشيخ عبد الله الحسني الندوي رحمه الله بأيام، و نُشر في مجلة : " الصحوة الإسلامية " التي كانت تصدر عن الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ حيدرآباد بالهند .*
*والجدير بالذكر أن الفقيد الحسني رحمه الله كان الشقيق الأكبر لفضيلة الشيخ بلال عبد الحي الحسني رئيس ندوة العلماء،وهما ( الشيخ بلال و الفقيد عبد الله) نجلا فقيد الدعوة الإسلامية الكاتب العبقري الموهوب الأستاذ محمد الحسني بن الدكتور عبد العلي الحسني رحمه الله ( الأخ الأكبر لسماحة الإمام الندوي رحمه الله) منشىء ورئيس تحرير* *مجلة : " البعث الإسلامي " ، الذي كان اغتالته المنية وهو في ريعان الشباب* .
*وبدا لي أخيرًا خاطرُ إعادة نشر المقال، ليطلع به الشباب والطلاب - ممن لا يعرفون الشيخ عبد الله الحسني رحمه الله - على بعض صفاته وأخلاقه و أعماله ]* .
* * *
إن حادث وفاة العالم الداعية المربي الأخ الحبيب النسيب النجيب الشيخ عبد الله الحسني لم يهز أسرته الماجدة فحسب، بل والأوساط العلمية والدعوية في جميع أنحاء البلاد .
كان الراحل الكريم سليل الأسرة الحسنية - أسرة الإمام الندوي - وابنها البار، وعلَمها المفرد، ونجمها وهلالها، بل وبدرها الواعد المرجو، ولكن سبق قدر الله . . ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ويفعل ما يشاء ويريد، ولا يُسأل عما يفعل . . وهو فعال لما يريد.
*عبد اللّٰه الحسني*: ما أحسن الاسم والمسمى . . !
لأن الاسم (عبد اللّٰه ) أحب الأسماء إلى اللّٰه، وصاحب الاسم الراحل الكريم أيضًا كان من أحب العباد إلى اللّٰه . . هكذا نحسبه واللّٰه حسيبه، ولا نزكي على اللّٰه أحدا.
وألسنة الخلق أقلام الحق . . ومعلوم أن عباد الله يحبون (عبد الله الفقيد) ومجمعون على ثنائه والإشادة بأعماله وآثاره، فهذا يدل على حب الله لعبده : (فقيدنا الحبيب)، فالله إذا أحب عبدًا، أعلن ذلك في الملأ ، ودعاهم إلى حب من يحبه، ففي الحديث الشريف، إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل : يا جبريل ! إني أحب فلانًا، فأحببه، فينادى جبريل في السماء : يا أهل السماء ! إن اللّٰه يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض".
فهذا الحب الذي حظي به الراحل (عبد الله ) في الأرض، هو ـــــ في الحقيقة . امتداد مبارك لحب علوي سماوي ملائكي مقدس . . و يا له من حب ! و يا لَحسن حظ صاحبه !
فصاحبنا (عبد الله ) - إذًا - حبيب إلى الرحمان و إلى عباد الرحمان، ومن ثم . . صار هذا الاسم ( عبد الله ) من الأسماء التي لها جرس ووقع ورنين، ولها نشيد تتجاوب أصداؤه في جوانب النفس، ولها جاذبية كجاذبية المغناطيس !
ومن أعظم مظاهر هذا الحب - الذي يقل نظيره - تلك الحشود التي تدفقت على ندوة العلماء للصلاة على الراحل الكريم، فقلما شهدت ندوة العلماء مثل تلك الجموع الحاشدة التي توافدت إليها لتشيع فقيدنا عبد الله الحسني إلى مثواه الأخير (رحمه الله).
ولا شك أن فقد عالم وداعية في حجم شخصية الفقيد يشكل خسارة كبيرة ليس للندوة فحسب، بل لكافة الجماعات والجامعات والمنظمات الإسلامية على مستوى البلاد .
فإن موته خسارة متعددة الجوانب، إنها - أولا وقبل كل شيء - خسارة الدعوة، خسارة العلم، فالعلم يقبض بقبض العلماء، خسارة قاعات الدروس، خسارة " الرائد " .. خسارة " الندوة " .. خسارة " الأسرة الحسنية " لا .. بل وخسارة الأمة الإسلامية كلها في الهند .
و بصفة خاصة .. خسارة "حركة الرسالة الإنسانية " .. التي حرمت بلبلها الذي ظل يشدو بأحسن الألحان، ويغرد بنغمة الحب والسلام، ويصدح بنشيد الإسلام منذ ريعان شبابه إلى آخر نفس من أنفاس حياته .
وإلى ذلك كله . . !
إن موته خسارة الصفات والشمائل الكريمة، فكان حليم الطبع، دمث الأخلاق، نزيه الطينة كريم السجية، لين الجانب، خفيف الظل، رقيقًا حنونًا، حلو اللسان، ( وحلاوة اللسان زينه الله للإنسان ) وفي تعبير موجز دقيق : كان : قرآنيّ الخلق محمديّ الصفات أو نستطيع أن نقول : لو كان للحب والنبل ونقاء الضمير صورة، لكان عبد اللّٰه الحسني تلك الصورة .. ولا عجب في ذلك . . فهذا الشبل من ذاك الأسد . . والشيء من معدنه لا يستغرب، والخُلق ابن الخَلق، والولد شبيه بوالده، فقد كان ينتمى إلى قوم خلقت نفوسهم من معدن الحب، وفطرت على سجية الإخاء والوفاء وحسن المعاشرة.
يا أسف الناس على ماجد
مات فقال الناس مات الكرام
تذكرت هنا أنني قرأت أو سمعت أن بعض كبار الأدباء الهنود قال - وهو يشير إلى صفاء معدن أفراد أسرة الفقيد وطهارة سريرتهم، وأصالة سلالتهم وطيب أرومتهم وسمو أخلاقهم - أنهم خلقوا من تراب طيب طاهر صالح للتيمم !
وهو تعبير بليغ عن ذلك السمو الإنساني الذي بلغ إليه أعضاء أسرة الراحل الكريم، خذ - مثلًا - شقيق جده ( الدكتور عبد العلي الحسني ) الإمامَ الندوي - رحمه الله - فقد كان يضرب به المثل في مكارم الأخلاق ومحاسن الشمائل، فقد انتهت إليه رئاسة النبلاء، وكان صاحب " الإنسانية العليا "، يقول عنه أحد أقرب الذين كانوا معه : أنه يستطيع - ممسكًا بكساء الكعبة - أن يحلف أنه لم يسمع من الشيخ الندوي غيبة لأحد أو رتعًا في عرض امرىءٍ - لا صراحة ولا كناية - قط .. لا في الجلوة ولا في الخلوة !
ونقول - شهادة لله، وللأجيال الحاضرة واللاحقة، أننا ما رأينا من أفراد أسرة أبي الحسن - ممن نعرفهم من زملائنا أو من معاصرينا - فضلًا عن أساتذتنا الحسنيين الأفاضل - نقول .. ما رأينا منهم ولا عرفنا عنهم إلا الخير والصلاح والنبل، والطلابُ والشبابُ - من الأسرة الحسنية - كانوا ومازالوا -يضرب بهم المثل في النبل وحسن الخلق والجد والوقار والإقبال على العلم، وظلوا شامةً زمن دراستهم وبعد تخرجهم، أخص بالذكر منهم الراحل الغالي عبد الله، وصديقي الفاضل جعفر، والأخ المفضال بلال (شقيق الفقيد) والأخ النبيل محمود (١)، والزميل الكريم عرفان، والأخ العزيز خليل وغيرهم .
إن الراحل الكريم لم يكن يربطني به رابطة السلالة أو صلة الدم، ولكنه كان أحب إلي من كثير من أقربائي وأنسبائي، فقد كان يربطني به ما أعز وأبقى من وشائج القربى والدم، فلحمة الأخوة في الدين والأدب أقوى من لحمة النسب !
وبما أنني مقيم في حيدرآباد منذ أكثر من ربع قرن، فما كانت تتأتى لي الفرصة للقائه إلا بعد مدة طويلة، قد تزيد على عام أو عامين، فإذا لقيته فرح فرحًا عظيمًا، وعانقني معانقة محب مشتاق جدًّا جدًّا . . معانقة تفيض حبًّا وترحابًا، وحرارة، وحلاوة، لا استطيع أن أصف دفئها ومتعتها، وربما عانقني معانقة أطول من المعتاد، كأنه كان يتلافى ما فات . . أو يشحن بطارية الحب والوفاء . . ( فهي الأخرى - أيضًا - قد تحتاج إلى الشحن أو التجديد . . لبعد عهد الصاحبين باللقاء أو طول فترة الفراق . . ) أو كان يشكو من خلالها - إطالة المعانقة - مما حصل من تأخير أو تقصير - مني - في الزيارة، ولكن كان لا يقول كلمة شكوى واحدة ولو إيحاء . . إلا أن قسمات وجهه كانت تنم عما في قلبه من شكوى وعتاب أخوي لطيف حبيب سببه التقصير في اللقاء !
ذهب الذين إذا رأوني مقبلا
بشوا إلىّ ورحبوا بالمقبل
ورغم أنه كان أصبح من أجلة علماء البلاد وكبار مشيختها في أواخر حياته، إلا أنه ظل يلقاني، ويباسطني، ويهش لي ويبش كما كان يتلقاني في صدر حياته .
فكان رجلًا لا تشم منه رائحة الكبرياء العلمية أو الغطرسة المشيخية، التي كثيرًا ما يبتلى بها العلماء والمشايخ - وفي تعبير أصح : المتعالمون والمتشايخون - إذا أحرزوا نوعًا من الصيت أو الشهرة والشعبية.
ولكن الله سلم . . نعم ! ولكن الله سلم وحفظ صاحبنا من مثل هذه الآفات التي تفسد على المرء دينه وصلاحه، وتجعل للشيطان عليه سبيلًا، فيغتر، ويحسب ـــــ أو يتظاهر - أنه من الصالحين، وهو من الهالكين، عصمنا الله منهم أجمعين .
والكريم إذا ارتفع تواضع، واللئيم إذا ارتفع تكبر، ومعلوم أن صاحبنا كان كريمًا ابن الكريم ابن الكريم، فظل كريمًا متواضعًا نبيلًا إلى آخر حياته، لم تخدعه الشعبية، ولم يغره إقبال الخلق عليه، فولد كريمًا، وعاش كريمًا، ومات كريمًا، ونرجو أنه سيبعث كريمًا مرحومًا إن شاء الله ! لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر بذلك : كما تحيون تموتون، وكما تموتون تحشرون). (فيض الباري ٤٢٤/٢)
كان ورث هذا النبل وهذا التواضع من جده (٢)الشيخ أبي الحسن الندوي رحمه الله، فكانت حياته - الشيخ الندوي - كلها عبارة عن التواضع ومكارم الأخلاق، فمما سمعنا عن تواضع الشيخ الندوي أنه أكرمه رئيس سدنة الكعبة المكرمة الأستاذ الشيبي ــ في أوائل الخمسينيات - بتسليمه مفتاح الكعبة المشرفة، وسمح له - للندوي - بأن يُدخل من شاء من أحبابه ومعارفه الكعبةَ خلال المدة المحددة، فكان الشيخ الندوي دعا العديد من أحبابه ومعارفه إلى زيارة الكعبة والدخول فيها، فبعد التشرف بدخول الكعبة والصلاة في داخلها بدأ الناس يهنؤونه بهذا الشرف الذي أكرمه الله به ويشكرونه على توجيه الدعوة إليهم لدخول الكعبة والتشرف بأداء الصلاة والدعاء فيها، فقال الشيخ الندوي ــــ متواضعًا ـــــ لا . . . بل اشكروا على هذه المكرمة وهذا الشرف شيخي ومربي الشيخ عبد القادر الرائيفوري الذي بفضل دعائه وبركته - بعد فضل الله - أكرمني الله بهذه العزة والكرامة، مع أن شيخه الرائيبوري هذا لم يكن يعرفه أحد من المسؤولين، ولكنه ـــــ الندوي ـــــ نسب الفضل - بعد الله - إلى شيخه !
أما لماذا كان الشيخ الندوي ـ رحمه الله - متحليًا بتلك الصفات الإنسانية العليا . . وممن ورثها . . ؟ فذاك - أيضًا - شيء معلوم عند الخاصة والعامة . . . وذلك لانتمائه إلى أفضل جيل شهدته الأرض .. الجيل الذي سمي الجيل القرآني الذي تربى في حضانة النبوة المباركة الطاهرة، ثم خص ـ إلى ذلك - بكونه ذا صلة نسبية بأفضل أسرة وأطهر عترة على وجه الأرض على الإطلاق . . عترة آل البيت الأطهار، العترة التي قال عن صفات بعض أصحابها الأخيار الشاعرُ العربي المشهور الفرزدق (ت ١١٠هـ) قصيدة تاريخية عصماء :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم
هذا التقي النقي الطاهر العلم
منشقة من رسول الله ﷺ نبعته
طابت عناصره والخيم والشيم
ما قال : "لا" قط إلا في تشهده
لولا التشهد كانت لاؤه نعم
فمن أمثال هؤلاء الآباء الكرام ورث الندوي ما ورث :
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
ومن الندوي ورث حفيدُه عبدُ الله ما ورث، فبأخلاقه تخلق، وتحت إشرافه نشأ، وعلى سيرته سار، ومنهجَه انتهج، وبهديه استنار وبتوجيهاته تمسك، وبصفاته اتصف، فكان التوفيق حليفه والقبول نصيبه، فعم نفعه وازدهر عمله، وشرق ذكره وغرب، وتألق نجمه . . ولكنه سرعان ما أفل وهوى . . . وهكذا الدنيا . . ليس لشيء فيها بقاء ولا دوام . . و { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } .
ومن هنا . كثر الحزن والبكاء على وفاة عبد الله العالم، المعلم، الداعية الإنسان.
رحم الله الفقيد الحبيب، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون !
*معلومات أخرى عن الفقيد*:
ولادته : ١٩٥٧/١/٢٩م، ينتمي إلى أسرة ينتهي نسبها إلى عبد الله ذي النفس الزكية
والده : كاتب العربية الموهوب الأستاذ محمد الحسني ابن الشيخ الدكتور عبد العلي الأخ الأكبر لسماحة الشيخ أبي الحسن الندوي.
جده : الدكتور عبد العلي بن خلكان الهند العلامة الشريف عبد الحي الحسني والد الشيخ أبي الحسن الندوي ، رحمه الله.
تخرجه : تخرج في ندوة العلماء سنة ١٩٧٦م، بقسم الحديث الشريف.
مدرسًا : عين مدرسًا بندوة العلماء سنة ۱۹۷۷م، واختير مدير التحرير لجريدة الرائد ۱۹۷۹م بعد وفاة والده الأستاذ محمد الحسني، ودرّس أهم كتب الحديث والتفسير والأدب .
كان يشرف على عشرات المدارس والكتاتيب، ويدير بعضها مباشرة، وله مساهمة جليلة أيضًا في الأعمال الخيرية تحت مظلة حركة: "'رسالة الإنسانية " التي كان أسسها الشيخ الندوي لتضييق الفجوة ولإيجاد روح الحب والوئام بين المسلمين وغيرهم من أبناء مختلف الديانات من سكان البلاد.
رحلاته : كان كثير الرحلات الدعوية إلى مناطق مختلفة من الهند، كما سافر إلى عدة أقطار عربية مثل السعودية ومصر، وقطر والإمارات، وتركيا للمشاركة في البرامج الدعوية، أو مرافقًا لجده الشيخ الندوي رحمه الله .
وفاته : ٢٠١٣/١/٣٠م
*أبرز أساتذته*:
- الشيخ أبو الحسن الندوي
- الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي
- الشيخ واضح رشيد الحسني
- الشيخ محمد برهان الدين السنبهلي
- الشيخ محمد أويس النكرامي
- الشيخ عبد الستار المظاهري
- الشيخ المفتي ظهور الحق الندوي
*أبرز تلامذته* :
- الشيخ بلال الحسني (شقيق الراحل )
- الشيخ عمار الحسني ( شقيق الراحل)
- الأستاذإلياس فيصل البهتكلي الندوي
- الأستاذ عبد الرشيد الراجستهاني الندوي
- الأستاذ محمد فرمان الندوي
- الأستاذ رحمت الله الندوي
خلف زوجة ( كريمة الشيخ محمد الرابع الحسني ) وابنًا الأخ الحافظ محمد ميان الندوي جعله الله سر أبيه وحفظه قرة عين لوالدته الكريمة، وبارك في حياتهما .
*أبرز أقربائه*:
- العلامة عبد الحي الحسني مؤلف نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر ( الإعلام بمن الهند من الأعلام ) جد والده.
- الشيخ أبو الحسن الندوي الأخ الأكبر لجده الشيخ الدكتور عبد العلي بن عبد الحي الحسني الندوي.
- الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي عمه، و والد زوجته.
- الشيخ واضح رشيد الحسني الندوي عمه.
الهوامش :
(١) كما هو معلوم عند القراء أن الأستاذ جعفر مسعود الحسني الندوي والشيخ محمود الحسني أيضًا قد انتقلا إلى رحمة الله .
(٢) استعملنا كلمة : "جد " للشيخ الندوي رحمه الله حسب العرف عندنا في الهند، فالشيخ كان - أصلاً - شقيق جد الراحل .
( الجمعة : ٢٢ من جمادى الأولى ١٤٤٧ھ = 14 من نوفمبر - تشرين الثاني - 2025 ) ۔
تعليقات
إرسال تعليق