هل البَوْحُ بالحُبّ ذنب . . ؟

 من وحي الأيام

هل البَوْحُ بالحُبّ ذنب . . ؟


     محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


كثيرًا ما نقرأ في كتب التراث والأدب  كلمة طريفة، لم نكد نتبين معناها تمامًا أول ما وقع عليها نظرنا .. بل كنا نتوقف عندها - كلما مرت بنا - نستوثقها ونتأكد من واقعيتها،  ولكن بمرور الأيام أخذت هذه الكلمة تظهر لنا صحتها، وتزول عنا غرابتها، ويتضح لنا فحواها، وصرنا لا نستغربها، ولا نستنكر مدلولها.. وهي : « *الهند بلاد الغرائب والعجائب* » . أي تجد في الهند كل ما يثير عجبك ويبعث دهشك ويجعلك في حيرة حائرة وعجب عجاب مما ترى وتسمع وتتعايش .. !

مما لا شك فيه أن الهند بلد العطاء والريادة، وإنجازات غير مسبوقة في كثير من المجالات والعلوم والفنون، وأرض الأمجاد والمفاخر، والصنائع والبدائع، والمزايا والخصائص التي تميزها عن كثير من البلدان والأقطار، ومنها أنها تحتضن مختلف الديانات والثقافات والحضارات والشعوب والأمم، وتجد فيها كل حديث طريف، ولَطَف مليح، وعلم مفيد، وعِلق نفيس، وفلسفة رائجة، وحكمة رائعة، وعقل جبار، وعبقرية فذة، وفن بديع، وتالد عريق، وطارف ماتع، وأمر غريب، ومنظر بهيج، و مُضحك ومُبكٍ، وبناء خيالي مثل : " تاج محل" تلك الدرة اليتيمة، التي لم يُر مثلُها - روعة وجمالًا ومتانة - في تاريخ أشهر وأجمل مباني الدنيا .


كما يعد من خصائص هذه البلاد - الهند - المعروفة لدى الجميع أن جميع مواطنيها - من مختلف الديانات والثقافات والانتماءات - ما زالوا يعيشون متحابين متآلفين في جو مغبوط من التعايش السلمي والتضامن الأخوي، يراعي بعضهم عواطف الآخر، ويشاركه أفراحَه، ويشاطره همومَه وآلامَه .

وكانت الهند سائرة على هذا الطريق - طريق الألفة والوئام - إلى عهد قريب .. ولعلها - الهند - أصابتها العين .. فتحول التآلف تباغضًا .. والتعاون تخاذلًا .. والتقارب تباعدًا ..

وكأن الجو ملئ حقدًا وكراهية .. وصار المسلمون اليوم في وطنهم هذا . . . الذي تشهد كل بقعة من بقاعه بآثار خالدة لهم فيه، ومعالم ناطقة صارخة بكونها إسلامية الذوق والمزاج، إسلامية الفن والطراز، إسلامية الشكل والصورة، إسلامية الرواء والبهاء . .

صاروا في وطنهم هذا غرباء أجانب ينظر إليهم بنظرة الشك والارتياب والازدراء ..

صاروا غرباء في الوطن الذي لم يساهموا في معركة تحريره فقط . . .  بل هم الذين بدؤوها، وأشعلوا لهيبها، وبهم حمي وطيسها واستعرت حربها، إيمانًا منهم بواجبهم نحو وطنهم، فكان لهم منها - معركة التحرير - نصيب الأسد وفضل السبق، والمساهمةُ القيادية فيها ..

في هذا الوطن العزيز الذي سقوه بدموعهم ودمائهم، يُنظر إليهم اليوم نظرةً شزراء . . . ويُشك في وطنيتهم . . 

وفي الآونة الأخيرة تجاوز العداء للمسلمين ورموزهم كل حد . . فبلغ الأمر إلى أن أصبح إعلان الحب لرمز الإسلام الأكبر ومثل المسلمين الأعلى سيدنا و نبينا محمد صلى الله عليه وسلم جريمة لا تغتفر . . 

يا للعجب .. أي إنسان من الناس الشرفاء يعرف من أخلاق الرسولِ صلى الله عليه وسلم ومننه على الإنسانية ورحمته بالبشرية، ثم لا يطير قلبه صوب هذا الرسول صلى الله عليه وسلم حبًا وتفانيًا .. ؟

الكتب القديمة و الجديدة - من تأليفات غير المسلمين - مليئة بالاعتراف بفضل الإسلام وعظمته، وطهر سيرة الرسول الكريم صلى اللًٰه عليه وسلم، ونقدم - فيما يلي - نبذة مختارة من شهاداتهم، فكما قال الشاعر : 


شهد الأنام بفضله حتى   العدا 

والفضل ما شهدت  به الأعداء 


فلشهادات الغير أهميتها وقيمتها . .

- فهذا الكاتب الإيرلندي الشهير ( جورج برنارد شو ) قال : " لقد درست الإسلام، فوجدته بعيدًا عن مخاصمة المسيح، ونعتبر محمدًا منقذًا للإنسانية، وأن رجلًا مثله لو حكم العالم بإيثاره وخلقه، لجلب للعالم السعادة و السلام " ، و أضاف : " لو كان محمد بعث في هذا العصر الحديث، لنجح نجاحًا تامًّا في حل المشكلات العالمية، وقاد العالم إلى السعادة والسلام " .

- وهذا العالم الأمريكي الفيزيائي المعاصر مايكل هارت ( michael H. Hart ) يؤلف كتابًا سماه: " أعظم مئة شخص في التاريخ" ، ويضع محمدًا الرسول الكريم صلى اللًٰه عليه وسلم على رأس المئة، ويقول : " إن اختياري محمدًا ليكون الأول في قائمة أهم رجال التاريخ، ربما أدهش كثيرًا من القراء إلى حد قد يثير بعض التساؤلات، ولكن في اعتقادي أن محمدًا صلى اللًٰه عليه وسلم كان الرجل الوحيد في التاريخ، الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والدنيوي، يخوله أن يعتبر أعظم شخصية ذات تأثير في تاريخ البشرية " ، ويستطرد قائلًا : " إن محمدًا هو الإنسان الوحيد في التاريخ، الذي نجح نجاحًا مطلقًا على المستوى الديني والدنيوي، وبعد أربعة عشر قرنًا ما يزال أثره قويًّا متجددًا " ، ويضيف قائلًا: " لا يوجد في التاريخ كتاب بقيت حروفه كاملًا دون تحوير سوى القرآن الذي نقله محمد " .

- والكاتبة الأمريكية  كارين أرمسترونج (karen Armstrong )دافعت عن النبي صلى اللّٰه عليه وسلم قائلة : " إنه الرجل البسيط المرهف الحس، الذي أقام مجتمع الكفاية والعدل في جزيرة العرب تحقيقًا للمشيئة الإلهية، وهو الذي خاض معارك إيجابية ليضع حدًّا للظلم ويدفع العدوان " .

هذه  شهادات من أهل الغرب . . وكفى بها إقناعًا للذين لم تغط عيونهم العصبية التي تعمي عن الحق والصواب.

ونورد فيما يلي شهادة واحدة من أهل الهند نفسها، وهي شهادة من رجل يعد من أعاظم رجالات الهند، الذين يجمع الهنود بل الكثيرون من غيرهم أيضًا على الاعتراف بعظمتهم، وهو : المهاتما غاندي  أبو الهند الحديثة وقائد استقلالها في القرن الماضي، الذي يمثل أسطورة الهند الحديثة، قال - عندما تحدث عن رسول الله لصحيفة هندية - : " لقد أصبحتُ مقتنعاً كل الاقتناع أن الإسلام اكتسب مكانته وانتشاره في رقعة جغرافية واسعة من العالم شرقًا وغربًا، من خلال بساطة الرسول محمد بن عبدالله مع دقته وصدقه في الوعود، وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه، وشجاعته مع ثقته المطلقة بربه وبرسالته، هذه الصفات هي التي مهدت للدين الإسلامي الطريق للانتشار الواسع، وتخطي المصاعب".


وواصل غاندي حديثه قائلاً: "أردت أن أعرف صفات الإسلام الذي يملك دون نزاع قلوب ملايين البشر، وبعد انتهائي من قراءة جزء من حياة رسول الإسلام، وجدت نفسي آسفاً لعدم وجود المزيد للتعرف أكثر على هذا الدين العظيم وحياة رسوله".


وفي مناسبة أخرى، قال "غاندي": "إن التعرف على نبي الإسلام ورسالته هو الذي قادني إلى المناداة بتحرير الهند، محمد بن عبد الله رسول الإسلام كان قادرًا على السيطرة على العالم كله، ومع ذلك ترك نفسه إنساناً بالإسلام، ولم تستطع شهوة الشيطان في السيطرة أن تحوم حتى حوله، فعاش نبي الإسلام رسولاً بشرًا عاديًّا أمام إخوانه من الناس، كواحد منهم رغم أنه اصطفاء إلهي".


هذه الكلمات التي نطق بها أسطورة الهند غاندي وقائد الثورة السلمية معترفًا بعظمة شخصية الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم، تكفي ردًّا كافيًا أو قل :  صفعة قوية لحاملي الأفكار السلبية، الذين لا يهمهم إلا أن يغتالوا الحب والألفة والوئام، ويصطادوا في الماء العكر ..!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده