بين دموع الخنساء وتشاؤم أبي العلاء . . !

 من وحي الأيام

بين دموع الخنساء وتشاؤم أبي العلاء . . !


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


لا تلقى إنسانًا، إلا وتجده شاكيًا من الظروف، متذمرًا من الأوضاع، قلقًا على حال المجتمع، ناعيًا على فساد الزمان .

فالوالدان يشكوان من عقوق الأولاد وعدم طاعتهم لأوامرهما، وعدم جدهم في الدراسة، وإضاعتهم الوقتَ فيما لا ينفعهم من النشاطات .


 والطريف أن الأولاد - أيضًا - يشكون من حرمانهم من حظهم من حب آبائهم وعطفهم، وقلة عنايتهم  بتوجيههم، وعدم اهتمامهم بمستقبلهم، وتدخلهم - دائمًا  - في أمورهم الشخصية، وعدم إعطائهم الحرية الكافية في ممارسة هواياتهم .


وكل معلم يشكو من عدم جدية الطلاب، وأنهم ليست لهم رغبة مطلوبة وحرص كاف على طلب العلم، ولهم توجهات فيما لا يعنيهم ولا يفيدهم، ولا يصب في مصلحتهم .

كما أن الطلاب بدورهم يشكون من المعلم . . أنه ينقصه الإقناعُ وملكة الإفهام، والخبرة بفن التربية، والتمكن من المادة التي يدرسها، والمواظبة على حضور الفصل، و - كذلك - الاتسامُ بسمات الحشمة والوقار والرزانة، التي ينبغي - إذا لم نقل : يلزم - التزينُ بها لكل من يمارس وظيفة المعلم،  و . . و . . 


وكل موظف في الحكومة يعتلج الهم في صدره، والأسى يتلظى على وجهه، ويتوجع مما يرى بأم عينيه، كيف تحكم المحاباة في دوائر الحكم، وتعم المحسوبية في دواوين الحكومة، وتنتشر الرشاوي في أجهزتها، وتهمَل الكفاءات البارعة،  ويُظلَم أصحابُ القدرات المتميزة، وتبخس حقوقهم .

وأصحاب المعاملات يشكون من البطء في إنجاز أعمالهم، وقد شاعت بين الناس المقولة : [  يوم من الحكومة بسنة ]  . . أي العمل الذي يمكن إنجازه في يوم واحد فقط، يتطلب إنجازه حكوميًّا سنة بل أكثر . . !

والحكومة تشكو من تقصير الموظفين في أداء مسؤولياتهم، وعدم جدهم في القيام بواجباتهم .


وإذا لقيت رجلًا من رجال الدين، ما وجدته -  ودموع الحسنين (١) تترقرق في عينيه - إلا شاكيًا من أن الناس قد ابتعدوا عن الدين، وأقبلوا على الدنيا، وأسرفوا في الملذات، وأغرقوا في الشهوات، وكأنهم لا يعنيهم أمر الآخرة مطلقًا، ولا يموتون ثم لا يبعثون ولا يحاسبون، وكأنهم لا يعرفون حلالًا ولا حرامًا، ولا صلاة ولا صيامًا، ولا سننًا ولا أحكامًا، ولا يرجون حسابًا ولا نشورًا .

ومن العجب  أن الكثرة الكاثرة ممن يغرقون من أخماص أقدامهم إلى قمة رؤوسهم في وحل الدنيا . .  تنتمي إلى الطبقة الخاصة والقدوات من العلماء والوعاظ والخطباء والمرشدين . . و لا يقول هذا الكلام إلا أكثرهم . . ثم لا يرضىون بأيسر الطعن وأخفه، حتى يبلغوا منه إلى أشده وأغلظه . . و صدق الله العظيم : { أ تأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } .

ومن جانبها تشكو العامة من الخاصة والقدوات . . فليسوا - القدوات - على المستوى المطلوب من النزاهة والرعة والتحرج، فقد أصبحوا لا يميزهم من عامة الناس - عادة - إلا الزي أو التوقر أو التظاهر بالصلاح . . وإلا فلا فرق بينهم وبين العامة في الحرص على متاع الدنيا، وإشباع الرغبات والشهوات، والتكالب على حطام الدنيا، والجري وراء المتعة الرخيصة واللذة المكشوفة . .

 ومن هنا . . فقد قل تأثير القدوات في المجتمع، ولم يعودوا يحظون من الحب والاحترام بما كانوا يحظون به في سالف الأيام، لأن الناس يريدون من القدوات أن يترفعوا عن الهنات  والسفاسف والصغائر والمحقَّرات والمشتبهات .. فضلًا عن الكبائر و المستفظَعات . .

 صحيح أن العامة قد تبيح أو تسترخص لنفسها كل ما تهوى وتشتهي من الملاذ والرغبات . .  بغض النظر عن حلالها من حرامها . . أو من مباحها من الممنوع منها .. ولكنها - العامة - تنتظر من الخاصة والقدوات أن تظل على أعلى درجة من الورع والتوقي والزهد والصلاح . . ومن هنا .. فيسقط من أعين العامة من لا يرتفع -  من القدوات -  إلى المستوى المطلوب من النزاهة والعفة والاستقامة وسمو الأخلاق .


وما من أديب تجلس إليه، إلا وجدته يزري على أن سوق المتأدبين أو الأدباء الأدعياء نفقت، وسوق الأدباء الحقيقيين قد كسدت، وسُمي غير الأدب أدبًا .. فصار يُعَدّ البذاء من الأدب .. والمحاكاة الممجوجة والتقليد المحض من العبقرية والنبوغ، والذمُّ والتبكيتُ والتنكيتُ والهمز واللمز من النقد، والمكر والخداع والاحتيال  من الصحافة، والزعم والادعاء من الفن والكفاية، والتشدق والتلاعب بالكلمات من الفصاحة والبلاغة .

كان الأدب رمزًا للصدق والجمال والنزاهة والعفة، وحليةَ العلماء وزينةَ الصالحين ومفخرةَ أهل المعرفة والثقة، وأداة بناء وإصلاح وتوجيه، و وسيلة نشر الحب والسلام، وطريقَ رشد وهدى وخير . . ، فعاد - كما لا يخفى - أداة هدم وتفريق، ووسيلة نشر الكراهية والنفور والعداوة، ومظهرًا من مظاهر الإباحية والتحرر والانطلاق من كل قيد وحد .


و الزعماء والقادة يشكون من فقدان غيرة الجماهير وتَبَلُّدِ حسها، و موت ضميرها، ويزرون على قناعتها بالدون، واستنامتها إلى الهون، وبرود طموحها، وقعودها عن مسايرة المعاصرة، وأما الجماهير فهي تسيء الظن بقادتها، وتشك في إخلاصهم، و - إلى ذلك . . تقول إنهم -  تنقصهم مزايا القيادة من الحكمة والحنكة والوعي والتبصر، والصلاحية المطلوبة للاضطلاع بأعباء القيادة والريادة، فلا تطيب نفوسها - الجماهير - بالامتثال والطاعة لمن بيدهم أمر القيادة والتوجيه، والسير وراءهم .

فهناك صراع مرير وفجوة هائلة  بين القادة والشعوب، القادة ساخطة على الشعوب، والشعوب ناقمة من الحكام والقادة .


ولا تلقى تاجرًا إلا وتجده ناعيًا على الذين  يثرون - يصبحون أثرياء - على الغش والخداع، و يُسَفِّهُون الشعب ويضَلّلونه، ويسلبون ثقته باسم الأخوة والتعاطف، ويسطون على ماله باسم الوطن، ويعصرون المواطنين ويبتزون أموالهم، حتى عادت التجارة تحمل معنى من معاني النهب والسلب، أو نوعًا من أنواع الشطارة و الخداع .

ومن المضحك المبكي أن هذا الكلام يقوله كل تاجر فُقِدَت غيرته، ومات ضميره، وهو - نفسه - يعيش على الغش والكذب  .. فلا يهمه إلا تضخم ميزانيته، والربح الزائد الخيالي في تجارته، وارتفاع ثرائه،  وازدياد صادره ووارده  . . ولو كان ذلك بترويج تجارة المخدرات وازدياد عدد المدمنين والمدمنات، وعلى حساب أخلاق الشباب والفتيات . .  


والجار يشكو من أذى الجار وأنه لا يسلم من بوائقه .. 

والأقارب يشكون من الأقارب  .. من لسعاتهم ولذعاتهم  .. وقديمًا قالوا : الأقارب كالعقارب . .  وطعناتهم أشد . . لأنها تأتي من مسافة قصيرة . . وقطيعة الأرحام مادة متأصلة متجذرة في الطبائع . .


والكبار يشكون من الصغار . . أنهم لا يحترمونهم ولا يرجون لهم وقارًا، ولا يرعون لهم حرمة السن ولا شرف تقدم العمر .

ومن جانبهم . .  الصغار يشكون من جفاء الكبار، وأنهم - الصغار - لا يجدون من الرحمة والشفقة والعطف ما يستحقونه من الكبار ..

وحتى الأصدقاء والخلان لم يعد يثق بعضهم ببعض . . فيتشاكون . . ويقولون متحسرين : غاض الوفاء وفاض الغدر، وانفرجت مساحة الخلف بين القول والعمل  . . 

وكما قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه :


مات   الوفاء    فلا رَفَد    ولا   طمع 

في الناس لم يبق إلا اليأس والجزع


فالخلاصة أن كل من تلقاه تجده شاكيًا باكيًا أو متباكيًا بدموع الخنساء، أو متشائمًا كأبي العلاء . . تجده ساخطًا على الأوضاع، ناقمًا من الناس، ناقدًا للأحوال، زاريًا على الأحداث، فعلى كل لسان  شكاية وسخرية وتهكم، وفي كل حديث نقد وهمز ولمز، وفي كل مجلس نعي ومأتم، وفي كل ناد نياحة وبكاء  ..

فَمَن البريء . . ؟ إذا كان كل واحد مُدانًا  . . ويُشك في نيته . . ويُنال من إخلاصه . . ؟ 

والحقيقة أن الحديث ذو شجون . . فليس هناك استثناء ولا شذوذ . . وكما يقال في المثل الأردي : الجميع عُري في هذا الحمام . . 

فالسؤال ما زال قائمًا  : إذا كان كل واحد لائمًا . . فمن الملوم . . ؟ 

وإذا كان كل واحد متّهِمًا . . ؟ فمن المجرم . . ؟ 

وإذا كان كل واحد طالحًا . . ؟ فمن الصالح . . ؟

وعظ مالك بن دينار موعظة بليغة ذرفت منها العيون، واتعظت بها القلوب، ثم افتقد مصحفه  .. فنظر إليهم متعجبًا متسائلًا . . ( وكلهم كان لا يكاد يغلب دمعه من أثر الموعظة ) وقال : 

ويحَكم .. ! كلكم يبكي .. فمن سرق المصحف . . ؟ ؟ ! ! 


الهوامش :

(١) الحسن البصري والحسن بن سيرين


( الخميس : ٢٨ من جمادى الأولى ١٤٤٧ھ = 20 نوفمبر - تشرين الثاني - 2025 )

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده