المجتمع الدفّان
من وحي الأيام
المجتمع الدفّان
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
الإسلام يعطي كل ذي حق حقه، ويعترف لكل ذي فضل بفضله، فيندب إلى تقدير العاملين والثناء على الفاضلين وتحية المناضلين، أما تجاهل أعمال العاملين، وعدم تشجيع أصحاب المواهب، والصلاحيات والكفاءات، وعدم الاعتراف بالفضل لذويه .. فذاك أمر لا يتفق وروح الإسلام السمحة العادلة، الذي يدعو دائمًا إلى تحسين الحسن والثناء على ما هو أهله ، ومدح من يستحق المدح .
كما أن الإشادة والتحبيذ والتشجيع من آيات الطبائع الكريمة الأصيلة، وبالعكس فإن تجاهل الكفاءات، وعدم تقدير القدرات، أو بخس حقوق أصحاب المواهب والصلاحيات، وعدم الإعتراف بفضل ذوي الفضل من علامات الطبائع اللئيمة الحاسدة .
والتشجيع - في حد ذاته - وبغض النظر عن كونه من روح الإسلام وخصائص الطبائع الكريمة - ضرورة من ضرورات المجتمع والمدنية، لأن التشجيع يثمر ثمارًا طيبة، ويؤدي إلى المزيد من العطاء وتفتح الملكات، وتفجر القرائح، والكشف عن المواهب وتشييد المآثر وصنع المفاخر، بينما التثبيط أو تجاهل القدرات وعدم تقدير الكفاءات يؤدي إلى انهيار العزائم، وفتور الهمم، بل وموتها في بعض الأحيان، والقضاء على روح الإقدام والتقدم إلى الأمام .
ولنا في رسول اللّٰه صلى اللًٰه عليه وسلم أسوة حسنة في تأكيده على تقدير منازل الناس ومراتبهم ، فقد أمرنا أن ننزل الناس على قدر منازلهم،
ولننظر - كذلك - كيف كان يكرم - صلى الله عليه وسلم - أصحاب العلم والفضل والفطنة ، ويقربهم في الصلاة - وغيرها - فيقول : « ليليني منكم أولو الاحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم » .
فليس هذا التأكيد على تقريب هؤلاء الفطناء العقلاء البصراء بالدين، الخبراء بالقضايا الراسخين في العلم، إلا اعترافًا بفضلهم على غيرهم، وتقديرًا لمكانتهم،وحثًّا للآخرين على أن يحذوا حذوهم، ويحاولوا التشبه بهم علمًا وفقهًا وعملًا، فيقربوا قربهم ويحظوا بمثل شرفهم من هذا التقريب والتمييز، فبهذا الاعتراف بالفضل لأهله، وهذا الإنصاف - الذي هو مبدأ من مبادئ الإسلام الجليلة - وبهذا التقدير والتشجيع يكون التنافس على الخير ، والتسابق في مجال البر ، ولذلك نرى الرسول صلى الله عليه وسلم أثنى على صحابته بما هم أهله ، فوصف أبابكر بأنه الصديق ، وعمر بأنه الفاروق ، وعثمان بأنه ذو النورين ، وعليًّا بأنه باب مدينة العلم ، وأبا عبيدة بأنه أمين الأمة .
وإذا استعرضنا تاريخنا الإسلامي بعد النبوة ، وجدناه ـ أيضًا ـ حافلًا بأمثلة رائعة لا تعد ولا تحصى من مثل هذا التشجيع والإشادة ، فنرى - مثلًا - كيف كان الشيوخ والأساتذة يقدرون كفاءات تلامذتهم ، ويحرصون على إبراز مواهبهم ، وإعطاء ثقتهم بعلمهم أمام الشعب والمجتمع، ومن ذلك ما ذكر في الكتب أن الشافعي رحمه الله لما ذهب إلى الإمام مالك بن أنس يطلب العلم وكان صغيرًا ، وسمع كلامه وتفرس فيه ـ ما تفرس - من النبوغ المبكر ، قال له : ما اسمك ؟ فقال: محمد، فقال: يا محمد ! اتق الله واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن ، وقال مالك عن الشافعي: ما أتاني قرشي أفهم من هذا القرشي ، وأما شيخه - الشافعي - الآخر سفيان بن عيينة فإن الشافعي إذا كان في مجلس سفيان وجاء شيء من التفسير أو الفتيا، التفت إلى الشافعي، وقال سلوا هذا ، وهذا أستاذ ثالث: مسلم بن خالد الزنجي ، فإنه كان يقول للشافعي - وهو ابن خمسةعشر عامًا - قد واللّٰه آن لك أن تفتي .
ومن الماضي القريب ... ذكر عباس محمود العقاد في سيرته الذاتية ( أنا ) أن أستاذه الشيخ فخر الدين محمد كان يعرض كراسته على كبار الزوار بين ما كان يعرضه من كراسات التلاميذ ، فلما زار مدرسته الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ذات شتاء أراه كراسة العقاد فتصفحها باسمًا ، وناقشه في بعض مفاضلاتها ثم التفت إلى أستاذه ، وقال : ( ما أجدر هذا - العقاد - أن يكون كاتبًا بعد . . . ) .
هذه كانت نظرة عابرة على روح الإسلام ، وعلى نماذج رائعة فيما يتصل بتشجيع ذوي النبوغ والفضل من تاريخنا البعيد والقريب .
أما حاضرًا . . . فالأمر ذو شجون، فصار التشجيع - على أي صعيد - قصةماضية تروى في الكتب، وأضحى تقدير الفضل والنبوغ ملفًّا غير مرغوب فيه . إنهم أصبحوا - مع الأسف - يخافون العقول العبقرية والكفاءات الممتازة .
فقضية الكفاءات الممتازة والمواهب العبقرية المبتكرة ، في الوطن الإسلامي -المغلوب على أمره - قضية تبكي الإنسان دمًا لا دمعًا .
فأصبح " النبوغ " أو " العبقرية " مصيبة ونقمة وعذابا على صاحبها ، بدلًا من أن تكون نعمة له ولأمته وبلاده .
فالنوابغ في البلدان والمجتمعات الإسلامية يطارَدون، ويضيق عليهم الخناق، وتحصى عليهم أنفاسهم، كأن نبوغهم هذا - الذي أنعم الله به عليهم - جريمة لا تغتفر، و عقاب عوقبوا به بما جنته نفوسهم هم.
وأمريكا اليوم ما أصبحت أمريكا إلا باحتضانها ورعايتها للعقول المبتكرة المهاجرة من أى ناحية من أنحاء العالم بصفة عامة ، والبلدان العربية والإسلامية بصفة خاصة، فتستقبل أمريكا المتخصصين النوابغ وتيسر لهم سبل العيش الكريم، وتتيح لهم الفرصة لممارسة وتكريس كفاءاتهم وإبراز مواهبهم وإظهار ابتكارهم ، ثم تستغل نبوغهم هذا وعبقريتهم في إجراء البحوث والتحقيقات والاكتشافات في مختبراتها ومراكز تحقيقها مما يؤدي إلى رفع مكانتها التكنولوجية وشأنها العلمي وتحقيق مصالحها وبث هيمنتها ونفوذها في العالم كله.
فلو احتضنت هذه الكفاءات والمواهب في أوطانها الإسلامية والعربية، ووفرت لأصحابها لقمة العيش بعزة وكرامة، وفرص ممارسة هواياتها وتخصصاتها، لكان ذلك خيرا وبركة للجميع . . . للعباد والبلاد، ولكانت حالها غير ما هي عليه الآن .
فكم قرأنا وسمعنا من قصص امتحان النوابغ البارعين في العلم (SCIENCE) و التكنولوجيا ومجال الاكتشاف والاختراع بصفة خاصة - كيف دفعوا لنبوغهم ثمنًا غاليًا . . . بل وربما ضحوا بحياتهم ثمنًا لما أكرمهم به ربهم من الكفاءات الممتازة . ومن هنا ... فإن مجتمعنا هذا يوصف - مع الأسف - بـ " *المجتمع الدفّان* " ورجالُه بـ " *النسّائين* " .
ولكن الله لا ينسى ، ولا يضيع أجر من أحسن عملًا : { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } . ( التوبة: ١٠٥)
( الثلاثاء : ١٢ من جمادى الأولى ١٤٤٧ھ = 4 من نوفمبر - تشرين الثاني - 2025 ) .
تعليقات
إرسال تعليق