محمد الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء(٨)

 على مائدة العلم والأدب

محمد الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم
المثل الأعلى للأدباء(٨) 


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


نماذج من مناهج التعبير النبوي (١) :


نقدم - فيما يلي - نماذج من مناهج التعبير النبوي المختلفة، وأساليبه البيانية المختلفة .


النموذج الأول : 

من روائع التمثيل في كلام رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم : 

« عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه أنه سمع رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم يقول : مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثدييهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده، حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها، فلا تتسع  » . (١)

*لوحة مؤلفة من الصور الفنية البديعة*

يا اللّٰه ! ما أروعها من صور فنية بديعة تصور نفسية البخيل والمتصدق تصويرًا لا تستطيع ريشة الفنان - مهما بلغ من فنه قمته - أن تبدع أحسن وأروع منه ! 

من خصائص كلام النبي صلى اللًٰه عليه وسلم أنه يبرز المعنى الذهني المحض - لامتلاكه لزمام اللغة وقدرته البيانية الموهوبة المعجزة الساحرة - في صور حية متحركة شاخصة، تكاد تراها العيان، وتسمعها الآذان، وتلمسها الأيدي بالبنان، فقد ضرب هنا رسول اللًٰه صلى اللًٰه عليه وسلم مثالًا رائعًا للبخيل و المتصدق، وبيًَنه بصور فنية مختلفة، فالصورة الأولى تمثل هيئة كل من المتصدق والبخيل اللذين قد لبسا جبة من حديد من ثدييهما إلى تراقيهما، ثم ننظر إلى بلاغة لفظة : « الحديد » التي تمثل هيئتين متضادتين لا تجتمعان في رجل واحد معًا، طبيعة الخير واللين، وطبيعة الشدة والتمرد والعصيان، فالحديد الذي يُليَّن ويُكوَّن ليكون صالحًا وقابلًا للاستخدام يكون طوع أمرك ورهن إشارتك، فيمتد ويتسع، ويصغر ويكبر، وينكمش ويسبغ، أما الحديد الذي يترك على حاله، فيبقى على ما عليه من الشدة والعصيان .

كذلك حال الطبيعة في الإنسان، فالذي يمارس طبيعته بالإنفاق والجود والسخاء، ولا يزال يعالجها بالخير والإحسان يعود لا يشعر بأدنى ضيق أو شائبة شح في الإنفاق، وهذا هو الذي عبّر عنه الرسول الكريم صلى اللًٰه عليه وسلم في هذه الجملة بـ : « فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده، حتى تخفي بنانه وتعفو أثره » .

وأما الذي لا يروض نفسه ولا يمارس طبيعته ممارسة، فلا يتجاوز : « يريد » ، فلا يستطيع أن يحقق هذه « الإرادة » ، فلا تكاد تنشأ هذه الإرادة إلا وترجع من حيث أتت، ولا تتحقق في عالم التنفيذ، « وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها فلا تتسع » ، وصدق النبي الكريم .

إي واللّٰه ! أكاد أوخذ ببلاغة هذا التصوير الدقيق لطبيعة البخيل وسحره وأثره و تأثيره، ولا استطيع أن أعبر عن هذه البلاغة الساحرة بالألفاظ والعبارات، بل إن هذا التصوير الرائع وبلاغة هذه الكلمات تعلن بنفسها إعلانًا صارخًا - يسمعه كل من أوتي شعور الذوق بالبيان العربي - أنه ليس في مقدور أحد مهما أوتي من البيان، ومهما أودعه اللّٰه من مواهب وقدرات كلامية وبيانية وذوقية، أن يصل إلى أسرارها البلاغية وروائعها الفنية، وإعجازها أو إلى دقائق سحرها وسموها، وآيات بداعتها وإحسانها، إنه الإعجاز النبوي الذي لا يستطيع أحد الوصول إلى حقيقته .. !!

وإنها البلاغة الكبرى التي ليست فوقها بلاغة إلا بلاغة القرآن الكريم، وهنا أسألك أيها القارىء الكريم : « هل تحسب طبيعة البخيل في دقائقها النفسية لو هي نطقت بالغة من وصف نفسها  هذا المبلغ من جمال الفن وإبداعه ؟ وهو بعد وصفٌ لو نقل إلى كل لغات الأرض لزانها جميعًا » . (٢)

كنا نتحدث عن الصور الفنية البديعة المصورة الموحية التي يزدان بها هذا الحديث الشريف، فهناك صورة تجسد طبيعة البخيل، وصورة أخرى تمثل طبيعة صاحب الجود والكرم، الذي ينفق - عن طيب خاطر وسماحة نفس - ما آتاه اللّٰه من فضل وخير ونعمة .

و يا لها من صورة تصور المنفقين والكرماء تصويرًا لا يستطيع قلم أو لسان على وجه الأرض أن يصور أروع ولا أدق منه .

ثم انظر في التصوير لطبيعة متضادة، وهي البخل والشح، وهو تصوير نسيج وحده، تصوير للبخيل وطبيعته الشديدة بجميع دقائقها وتفاصيلها الباطنة وكيفيتها التي لا يطلع عليها إلا اللّٰه الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض، فالإنسان حينما يقف على هذه التصويرات المعجزة الساحرة وقفة إمعان و تدبر، لا يلبث أن يندهش وينفعل أيما انفعال، ويؤمن تلقائيًّا - من سويداء قلبه - بأنها لم تخرج إلا من فم النبي الكريم صلى اللًٰه عليه وسلم الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه « فلم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعًا ولا أصدق لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مخرجًا، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين عن فحواه من كلام النبي صلى اللّٰه عليه و سلم » . (٣)


الهوامش :


(١) صحيح البخاري : كتاب الزكاة، باب مثل المنفق والمتصدق .

(٢)الرافعي : وحي القلم ٣/ ١٤

(٣) من كلام الجاحظ في أسلوب النبي صلى اللّٰه عليه و سلم ، انظر: البيان و التبيين ٨/٢ .

استفدنا في شرح الحديث من وحي القلم للرافعي ( الجزء الثالث) و : دراسة أدبية لأحادبث نبوية مختارة للكتور كامل سلامة الدقس .


( الأحد : ١٠ جمادى الأولى ١٤٤٧ھ = 2 نوفمبر - تشرين الثاني - 2025م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده