محمد الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء(٦)
على مائدة العلم والأدب
محمد الرسول صلى الله عليه وسلم
المثل الأعلى للأدباء(٦)
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
*كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجع*، *وموقفه من السجع* :
يوصف السجع( بسكون الجيم ) بأنه وسيلة تعبيرية عن المشاعر والعواطف لاستثارة نفس القارىء .
و - السجع - أحد أنواع المحسنات اللفظية المستخدمة في علم البلاغة في اللغة العربية، وهو توافق الفاصلتين في فقرتين أو أكثر في الحرف الأخير، أو هو توافق أواخر الجمل ( الكلمة الأخيرة في الفقرة ) ، ويكون في النثر فقط .
من خصائص السجع :
- التساوي بين الفقرات النثرية من حيث الطول .
- يأتي خاليًّا من أي نوع من أنواع التكلف والتصنع في الوصف .
- يمتاز بخلوه من التكرار، فيبعد الملل عن نفس القارىء.
*رسول الله صلى الله عليه وسلم والسجع*:
جاء في رواية دية الجنين المعروفة - التي رواها مسلم في صحيحه - : « . . . فقال حمل بن النابغة الهذلي يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما هذا من إخوان الكهان، من أجل سجعه الذي سجع » . (١)
لقد اختلف النقاد في وجه استنكار رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكلام المسجع، هل هو السجع بالذات ...؟
أم هناك وجه آخر .. ؟
فقال البعض : هو من أجل السجع نفسه ..
وبهذا الصدد قال أنيس المقدسي : " لما شرعت دية الجنين، جاء بعض العرب إلى النبي عليه السلام، وكلموه في هذا الشأن، ولفقوا كلامهم بالسجع، ليجعلوا فيه قوة الحجة الدامغة والبرهان القاطع ..
فقالوا : كيف ندي من لا أكل ولا شرب، وصاح فاستهل، أليس دمه قد بطل ؟
فقال عليه الصلاة والسلام : أسجاعة كسجاعة الجاهلية ؟ أسجع كسجع الكهان ؟ " . (٢)
ولكن الأكثرية على أن الرسول صلى الله عليه وسلم استنكر هذا الكلام المسجع لا لنفسه . . . بل لكونه مطابقًا لحكم الكهان العرب الذين كانوا لا يحكمون بدية الجنين، يقول ابن الأثير : " ... فالسجع إذًا ليس بمنهي عنه، وإنما المنهي عنه هو الحكم المتبوع في قول الكاهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أسجعًا كسجع الكهان ؟ » . أي حكمًا كحكم الكهان، وإلا فالسجع الذي أتى به ذلك الرجل لا بأس به، لأنه قال : « أأدي من لا شرب ولا أكل، ونطق ولا استهل، ومثل ذلك يطل » ، وهذا كلام حسن من حيث السجع، وليس بمستنكر لنفسه، وإنما المنكر هو الحكم الذي تضمنه في امتناع الكاهن أن يدي الجنين بغرة عبد أو أمة " . (٣)
وقال مؤلف : [ الأسس الجمالية في النقد العربي ] : " ولو كرهه عليه الصلاة والسلام لكونه سجعًا لقال : أسجعًا ثم سكت " . (٤)
وإنما أوردنا اقتباسين . . . أحدهما من كتب المتقدمين، والثاني من المؤلفات الحديثة، ليكونا دليلين على أن الذي نقول به من أن الذم ليس للسجع نفسه، وإنما للحكم الذي تضمنه ذلك الكلام المسجع . . هو الأقرب إلى الصواب والواقع، وكيف يذمه الرسول صلى الله عليه وسلم وقد ازدان به كثير من كلامه، حتى - في بعض الأحيان - غيّر الكلمة عن وجهها للإيقاع اللفظي والتوازن الصوتي والتناسق الفني . . . كما جاء في جامع الترمذي : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعَوّذ الحسن والحسين يقول : « أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامّة من كل عين لامّة » ، فكل هذا يؤذن باستخدام السجع على شرط البراءة من التكلف والخلو من التعسف . (٥)
*نموذجان من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم المسجع*:
١- أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام. (٦)
لقد أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاحين : « مفتاح الجنة » و « مفتاح الأدب والبلاغة » معًا .. فإن هذا الحديث الشريف الوجيز لو اجتمع أرباب اللغة و أمراء البيان وأدباء العالم أن يأتوا بمثله لما استطاعوا .. ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا . . فهذا الأسلوب السهل الممتنع الممتع المسجع، المرصع بتوازن الألفاظ، ونغمة خواتمها الساحرة، وإعجازُها في إيجازها هو حظ الرسول صلى الله عليه وسلم وحده .. لا يضارعه فيه أحد ..
والمسلم إذا عمل بمحتوى هذه الكلمات القليلة - التي لا تتجاوز عدد الأصابع - دخل الجنة .
حقًّا . . إن هذا الحديث الشريف لمعجزة من معجزات البلاغة النبوية، وآية من آيات الحكمة المحمدية، المعترف بها لدى جميع حكماء العالم وبلغائه.
٢- اللهم أعط منفقًا خلفًا وأعط ممسكًا تلفًا.(٧)
*قوة ولحن وإخلاص*:
لا يخفى على من قرأ الدعاء : « اللهم أعط منفقًا ... » ما فيه من قوة ولحن عذب، وإخلاص وتأكيد وتأثير قرينًا للسجع، فالسجع الفني ليس حلية صوتية، وليس تكثرًا ولا إعلانًا عن غزارة المادة اللغوية، ولا قصدًا للأناقة في نفسها، وإنما هو صور صوتية يمليها المعنى، فتزيد أداءه حسنًا بتأثير هذا الرنين الصوتي المتشابه، وشعارُ الأسلوب الأدبي أن يطابق التعبير الفكرة والشعور، دون أن يسيطر عليها (٨) ، وهذه هي الخصيصة النبوية البيانية أن التعبيرات والمحسنات اللفظية - في الكلام النبوي - لا تأتي على حساب المعنى، وإنما مطابقة له، غير زائدة عليه، ولا يطغى الشكل على المضمون، ولا يستعين الرسول للحلي اللفظية بالفكر والتأمل، وإنما يقول كلمات يريدها، فإذا هي من البلاغة والفصاحة، ما يدهش العقل ويحير اللب، و : « إنما هو أن يعرض المعنى فإذا لفظه قد لبسه واحتواه، وخرج به على استواء لا فاضلًا ولا مقصرًا، كأنما كان يلهم الوضع إلهامًا » . ( من كلام الرافعي )
الهوامش :
(١) رواه مسلم : باب دية الجنين .
(٢) تاريخ علم الأدب عند العرب والإفرنج : ٤٢، مطبعة الهلال بالفجالة.
(٣) ضياء الدين ابن الأثير ( تحقيق الحوفي ) المثل السائر ١/ ٣٧٥ ، مكتبة نهضة مصر .
(٤) د . عز الدين إسماعيل : الأسس الجمالية في النقد العربي: ٢٦٦ .
(٥) أبو هلال العسكري: كتاب الصناعتين ١ / .....
(٦) رواه البخاري ومسلم والترمذي بفروق يسيرة .
(٧) رواه مسلم .
(٨) مهدي علام : النقد والبلاغة: ٣١١ وما بعدها، دار الكتاب العربي، مصر .
( الأربعاء : ٢٩ من ربيع الآخر ١٤٤٧ھ = ٢٢ من أكتوبر - تشرين الأول - ٢٠٢٥م ) .
تعليقات
إرسال تعليق