أنا أحب محمدًا صلى الله عليه وسلم

 في ظلال الإيمان والعقيدة

أنا أحب محمدًا صلى الله عليه وسلم

 
محمد نعمان الدين الندوي 
لكناؤ، الهند 

إن أغلى ما يعتز به كل مسلم - بعد عقيدة التوحيد - .. حب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم .. الذي يفديه بأبيه وأمه، وبأغلى ما يملك في حياته، ولا يعدل به - صلى الله عليه وسلم - أيًّا كان .. ولو كان أعظم العظماء .. أو أحكم الحكماء أو أعقل العقلاء .. 
فالرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - فوق الجميع .. وأفضل من الخلائق أجمعين .. حتى من جميع الملائكة وجميع الأنبياء .. - على الإيمان بهم جميعًا ودون تفريق بينهم - { كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله } .
وإن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أصل عظيم من أصول الدين، بل إن إيمان العبد متوقف على وجود هذه المحبة، فلا يدخل المسلم في عباد الله المؤمنين الناجين إلا أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه، ومن ولده ووالده والناس أجمعين .
ومن ثَمّ .. فإن حب محمد الرسولِ صلى الله عليه وسلم فوق حب الجميع .. وهو - حب الرسول صلى الله عليه وسلم - تاج على رأس كل مسلم، ووسام على صدره، ودلالة على حرارة الإيمان، وعاطفة العقيدة، وضمان بكل خير وسعادة في الدنيا والآخرة، إذا كان - الحب - صادقًا خالصًا مخلَصًا، مقرونًا بالاتباع الكامل للنبي صلى الله عليه و سلم .
وحب الرسول صلى الله عليه وسلم ليس شيئًا ظاهريًّا أو طارئًا أو عابرًا .. وإنما هو شيء داخلي يتغلغل في شرايين المسلم وعروقه، جارٍ منه مجرى الروح والدم .. 
ومن الطريف أن العامة أشد حبًّا للرسول صلى الله عليه وسلم، و أكثر استعدادًا للتضحية بالدم والعرض في الذود عن حرمته من الخاصة.
والبيت الذي قاله حسان بن ثابت رضي الله عنه في شأن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم :

فإن أبي ووالده وعرضي 
لعرض محمد منكم وقاء 

هذا البيت لا يعبر عن عواطف قائله فحسب، بل يمثل عواطف كل مسلم إلى يوم القيامة .
فالمسلم قد يحتمل إساءة إلى نفسه هو .. أو إلى زوجته الحبيبة، أو إلى أولاده أفلاذ أكباده، أو أحب حبيب إليه وأعز عزيز عليه . . . ولكن لا يمكن أبدًا أبداً أن يحتمل- مهما كان ضعيفًا في العمل - أدنى إساءة بل شبه إساءة إلى حرمة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم ..
فحب الرسول صلى الله عليه وسلم جزء من عقيدة المسلم، ولا يكتمل إيمانه مالم يحب نبيه صلى الله عليه وسلم حبًا أكثر من جميع الناس بل من نفسه هو ..
إن حبَّ محمد الرسولِ صلى الله عليه وسلم أجلّ وأسمى من أي مساومة أو معادلة، أو مناورة أو مداورة ..
هذا الحب النبوي لا يقاس عليه أي حب، ولا يقاس هو على أي حب آخر ..
إنه - حب النبي - حب فذ فريد .. وبقدره - قوة أو ضعفًا - يزيد إيمان المرء وينقص ..
لقد حظي الرسول صلى الله عليه وسلم من الحب ما لم يكن من نصيب أحد .. لا في القرن الأول فحسب .. أو في جزيرة العرب فحسب .. بل عبر جميع الزمان ، وجميع المكان ..
ونكتفي بنموذج واحد .. سئل الصحابي الجليل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : كان أحب إلينا من أموالنا وأولادنا، وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ . ( الشفاء 19/ 2 )
وهذا الحب النبوي - كأي حب - شيء داخلي لا يُرى .. ويعبَّر عنه بأساليب تختلف قولًا وعملًا .. وأعظم مظاهر التعبير عنه اتباع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم اتباعًا كاملًا في جميع مراحل الحياة .
وهناك ألوان وأنواع من التعبير عن هذا الحب النبوي، على أن ذلك - التعبير عن الحب النبوي - حق ديني وعاطفي وقانوني وإنساني وأممي ..
وأي قانون أو عرف أو دين أو شرع لا يمنع من إبداء هذا الحب ..
ثم إن حب المسلم نبيًّه محمدًا صلى الله عليه وسلم واستعداده الدائم للتضحية بدمه وعرضه دون عرض محمد وحرمته - صلى الله عليه وسلم - لا يخفى على أحد، يعرف ذلك القاصي والداني، والمثقفُ والأمي، والحضري والقروي، وأن له حساسية زائدة مفرطة نحو هذه القضية، فلذا يحاول الذين يعانون من مرض الحقد والضغينة دغدغة هذه « الحساسية العاطفية » - من حين لآخر - بأشكال مختلفة من الإثارة والاستفزاز .
فلا بد من مراعاة الحيطة والحذر في التعبير عن الحب للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يكن بأسلوب قد يُحرّك مكر الذين بدت البغضاء من أفواههم { وما تخفي صدورهم أكبر } .. مما يتيح لهم الفرصة لتنفيق بضاعتهم الفاسدة - بضاعة الكراهية والبغضاء ضد الإسلام والمسلمين - ، ويؤدي إلى إثارة الأحقاد المكبوتة التي تشتعل تحت الرماد، والتشفي من الغيظ المتأصل في قلوبهم، الذي لا انفكاك لهم عنه .. ( ولربما زاد التشفي في الغيظ ولم ينقص منه ) ، فالحقيقة أن مشاعر الحقد والكراهية - التي تغلي بها صدورهم - غذاؤهم الذي به يعيشون، وقوتهم التي بها يتقوون، ووسامهم الذي به يعتزون .
بل ينبغي أن يكون التعبير عن هذا الحب النبوي بطريق ينسجم وما يركز عليه الإسلام - دائمًا - ويرغّب فيه من التحلي بالجد والوقار والرزانة في جميع تعاملات المسلم وتصرفاته .
فأنتم أيها المسلمون ! لَتعرفون بأن الأعداء يرصدوننا بالمكروه، ويتحينون كل ما يتيح لهم الفرصة للنيل من ديننا ونبينا، ويُمَكّن لهم من إلحاق الضرر - مادِّيًّا ومعنويًّا - بنا، فلِمَ نأتي - في سكرة الحماس - بما ييسر لهم تحقيق مقاصدهم الدنيئة ؟

( الأربعاء : ٨ من ربيع الآخر ١٤٤٧ھ = ١ من أكتوبر - تشرين الأول - ٢٠٢٥م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده